الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : تربوية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
222 - رقم الاستشارة : 3088
28/10/2025
كيف أزرع في ابني بوصلة داخلية تردعه عن الخطأ من تلقاء نفسه؟ أنا أمٌّ أحرص كثيرًا على تربية ابني تربية سليمة، لكني أجد نفسي ألاحقه دائمًا بالتنبيه والتصحيح، وكأنني الحارس الدائم على تصرفاته. أتساءل: كيف لي أن أجعله يبتعد عن الخطأ من تلقاء ذاته، ومن دون مراقبتي المستمرة؟ وكيف أُنشئ في داخله بوصلة قوية توجهه نحو الصواب، وتجعله يتخذ القرار السليم دون تردد، ويعود للمسار الصحيح إذا أخطأ؟ أعلم أنه لا يوجد إنسان معصوم من الخطأ، لكني أريد أن أربيه على الوعي الذاتي والمسؤولية لا على الخوف من العقوبة. فكيف أحقق ذلك عمليًا؟
أختي الحريصة والواعية،
سؤالكِ هذا يعكس وعيًا تربويًّا عميقًا ونضجًا أموميًّا راقيًا؛ لأنكِ لا تريدين ابنًا يُطيعك خوفًا، بل إنسانًا يُصلح نفسه وضميره حبًّا للحق ووعيًا بالمسؤولية، وهذه هي الغاية العليا في التربية الأخلاقية كما يُعرّفها علم النفس التربوي الأسري (Family Educational Psychology).
الضبط الذاتي
ما تتمنينه يُسمّيه العلماء "الضبط الذاتي" (Self-regulation)، وهو قدرة الطفل على ضبط سلوكه انطلاقًا من وعيه الداخلي وقيمه الذاتية، لا تحت ضغط خارجي أو رقابة مستمرة. وهذه المهارة لا تُولد فجأة، بل تُبنى بالتدرّج من خلال علاقة آمنة ومحبة بين الأم والابن تُسمى في التربية (Secure attachment) أي الارتباط الآمن، وهو الأساس الذي تنمو عليه بوصلة الطفل الداخلية.
الزرع يبدأ من العلاقة لا الأوامر
البوصلة الداخلية لا تُغرس بالأوامر ولا بالمراقبة الدقيقة، بل تُغرس عبر علاقة حوارية قائمة على الثقة.
فالطفل الذي يحس أن أمه تصدقه وتحترم رأيه، يتعلّم أن يصغي إلى صوته الداخلي ويثق بحكمه وغالبا ما يكون صائبًا.
قولي له دائمًا: "أنا أثق فيك أنك تختار الصح حتى لو لم أكن معك"، فهذه العبارة تغذي لديه ما يُسمى في علم النفس "الضمير الأخلاقي الداخلي"، وهي فكرة أنه مسؤول أمام الله وضميره، لا فقط أمامكِ.
التربية على النية
ركّزي على نياته وسلوكه الذاتي أكثر من النتيجة الظاهرة. بدل أن تقولي: "أحسنت لأنك نجحت"، قولي: "أحسنت لأنك اجتهدت وصبرت"، هذا يعلّمه أن القيمة في الاجتهاد والصدق والإخلاص، وهي ما تُبنى عليه البوصلة الداخلية.
وقد قال رسول الله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، فحين يترسخ في الطفل مبدأ النية الصالحة، يصبح مقياسه داخليًّا لا خارجيًّا.
التفكير بالمنطق الأخلاقي (Moral reasoning)
بدل أن تُملي عليه الصواب والخطأ، ناقشيه في لماذا هذا خطأ، وما النتائج المترتبة عليه.
اسأليه: "برأيك ماذا سيحدث لو كذبنا؟ وكيف سيشعر الآخرون؟"، هكذا يتعلم أن يرى الأمور من منظور التفكير الأخلاقي وليس من الخوف من العقوبة، أي من مفهوم -التفكير في العواقب الطبيعية لأفعاله- وهي طريقة تربي الضمير الحيّ لا الخوف الموقّت.
حرية مسؤولة
الحرية جزء أساسي من بناء البوصلة الداخلية، لأنها تعلّم الطفل الاختيار وتحمله النتائج.
اسمحي له بالاختيار في أمور تناسب سنه، كتنظيم وقته أو ملابسه، ثم ناقشيه بلطف في النتائج.
هذه الخبرة المتكررة تُكسبه ما يُعرف بـ "الوعي الذاتي" (Self-awareness)، وهو أول أركان الضبط الذاتي في السلوك.
القدوة الصامتة
الطفل لا يسمع ما نقول بقدر ما يرى ما نفعل. فحين يراكِ صادقة في الوعد، منضبطة في القول والعمل، متسامحة عند الخطأ، يترسخ لديه النموذج السلوكي لما يُعرف في التربية بـالتعلم بالملاحظة.
قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾؛ فالقدوة تغرس في القلب ما لا تفعله ألف موعظة.
الخطأ فرصة للتعلم
حين يخطئ ابنك، لا تجعلي الخطأ نهاية، بل بداية للحوار. قولي له: "كلنا نخطئ، لكن المهم ألا نتمادى في الخطأ، ثم كيف نُصلح".
بهذا الأسلوب تُنمّين داخله ما يُسمى (Growth mindset) أي "عقلية النمو"، التي تجعله يرى الأخطاء طريقًا للنضج لا مصدرًا للخوف. وهكذا تتكوّن لديه بوصلة داخلية تُعيده إلى الطريق من تلقاء نفسه.
التربية الإيمانية هي الجذر الأعمق للبوصلة
علّميه وأكدي عليه، أن الله يراه حيث لا يراه أحد، وأن المراقبة الحقيقية هي مراقبة الله لا مراقبة الأم أو ولي الأمر. قال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾.
وغرس هذه العقيدة هو ما يجعل الطفل يستحيي من الخطأ ولو في الخفاء؛ لأن ضميره أصبح مرتبطًا بخالقه لا بخوفه من البشر.
وأخيرًا غاليتي، اعلمي أن تكوين البوصلة الداخلية يحتاج إلى توازن بين الحب والحدود، بين الثقة والمتابعة، بين الحرية والتوجيه. فكوني معه رفيقة حكيمة لا حارسًا دائمًا، وأعينيه على أن يسمع صوته الداخلي أكثر من صوتك. فمن رُبّي على الخوف يطيع في الحضور ويعصي في الغياب، أما من رُبّي على الضمير فيُصلح نفسه في السرّ والعلن.
همسة أخيرة:
ليكن هذا مبدأك التربوي: ازرعي في قلبه الإيمان، وفي عقله الفهم، وفي نفسه المسؤولية، فستثمر بوصلة لا تنحرف ولو غابت العيون.