الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
10 - رقم الاستشارة : 4036
04/02/2026
كل بيت فيه خلافات وصراعات، والأطفال يعيشون هذا التوتر يوميًا... أحيانًا يُشخّص الطفل بفرط الحركة أو تشتت الانتباه دون أن يأخذ أحد بعين الاعتبار تأثير البيئة الأسرية عليه. ما الحل لحماية الأطفال من آثار الصراعات العائلية؟ وكيف نساعدهم على النمو النفسي بشكل صحي رغم وجود التوتر في البيت؟
غاليتي، إن ما ذكرتِه حقيقة تربوية ونفسية عميقة، كثيرًا ما نغفل عنها، فننظر إلى الطفل منفصلًا عن بيئته، بينما يؤكد علم النفس الأسري Family Psychology أن الطفل هو أكثر أفراد الأسرة تأثرًا بالمناخ الانفعالي المحيط به، حتى وإن لم يكن طرفًا مباشرًا في الخلاف.
أولًا: فهم ما يحدث نفسيًّا للطفل:
الطفل الذي يعيش في بيت يكثر فيه الصراع، ولو كان صامتًا، يتعرض لما يُسمّى في علم النفس بـ Chronic Stress الضغط النفسي المزمن. هذا الضغط يؤثر مباشرة على الجهاز العصبي Nervous System، فيظهر في صورة:
- تشتت انتباه (Attention Difficulties).
- حركة زائدة أو اندفاعية (Hyperactivity, Impulsivity).
- قلق داخلي (Anxiety).
- أو حتى انسحاب وصمت مبالغ فيه (Withdrawal).
* وهنا يحدث الخطأ الشائع:
يُشخَّص الطفل بـ ADHD دون التفريق بين الاضطراب العصبي الحقيقي، وبين السلوك التكيفي الناتج عن بيئة غير آمنة نفسيًّا، وهو ما نسميه Environmental-Induced Behavioral Symptoms.
ثانيًا: كيف نحمي الأطفال من آثار الصراعات العائلية؟
١- الفصل بين الخلاف الزوجي ودور الوالدية..
الخلاف بين الزوجين لا يجوز أن يتحول إلى ساحة يشهدها الطفل أو يُستَخدم فيها.
فالطفل يحتاج إلى ما يسمى Emotional Safety (الأمان الانفعالي)، وهو حجر الأساس في النمو النفسي السليم.
قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.. فكيف بالقول أمام طفل يتشكّل وعيه وقلبه؟
٢- ضبط الخلاف لا إنكاره..
نحن لا نطالب بأسرة بلا خلاف، فهذا غير واقعي، لكن نطالب بخلاف:
بلا صراخ
بلا إهانة
بلا تهديد أو تخويف
هذا ما يُعرف بـ Healthy Conflict Management.
٣- طمأنة الطفل لفظيًّا وسلوكيًّا..
كثير من الأطفال يحمّلون أنفسهم ذنب الخلاف دون أن يُصرّحوا.
من الضروري أن يسمع الطفل عبارات واضحة مثل:
"مشاكل الكبار ليست بسببك"
"نحن نحبك وأنت في أمان"
وهذا يعزّز Secure Attachment (التعلق الآمن).
4- لا بد من وضع روتين ثابت يشعره بالاستقرار..
فالروتين اليومي (مواعيد نوم، طعام، دراسة) يخلق ما يسمى Psychological Predictability وهو عامل وقائي قوي ضد القلق والتشتت.
5- من الضرورى أيضًا خلق مساحة آمنة للتعبير..
علّمي الطفل التعبير عن مشاعره بالكلام أو الرسم أو اللعب، فالكبت المستمر قد يتحول إلى أعراض سلوكية أو جسدية، فيما يعرف بـ Psychosomatic Symptoms.
ثالثًا: وهو الأهم، كيف نساعد الطفل على النمو النفسي الصحي رغم التوتر؟
وذلك يكون بثلاثة أمور مهمة:
١) بالتقليل من النقد واللوم، وزيادة التعاطف (Empathy).
٢) بتعزيز تقدير الذات (Self-Esteem) لا المقارنة.
٣) بالقدوة الهادئة؛ فالطفل يتعلم من السلوك أكثر من الكلام (Modeling).
قال رسول الله ﷺ: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته»، وأعظم رعاية نقدمها للطفل هي رعاية قلبه وأمانه النفسي.
فالطفل لا يحتاج إلى بيتٍ بلا مشاكل، بل إلى بيتٍ يشعر فيه أن مشاكله ليست عبئًا، وأن مشاعرَه مسموعة ومحترمة.
* وهمسة أخيرة:
إن وُجد هذا الأمان، نما الطفل – بإذن الله تعالى– سليم النفس، قوي الداخل، حتى وإن كانت الحياة من حوله مليئة بالتحديات.
روابط ذات صلة: