الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
21 - رقم الاستشارة : 6132
18/10/2026
اقترضت من أخي مبلغ من المال على مدار عدة سنوات من عام ٢٠١٥ حتى عام ٢٠٢٠ وكنت أمتلك أرضا زراعية ورثتها أنا واخواتي وأمي عن أبي ومع حدوث التضخم في مصر وانهيار الجنية خلال هذه الفترة طلبت من أخي أن أكتب له قيراط أرض من ورثي سداد الدين وهو ما كان يعادل القيمة تقريبا ولكنه كان يرفض ويقول مينفعش أعمل معاك كده.
وفي عام ٢٠٢٥ توفيت أمي الله يرحمها وبعدها قمنا ببيع الأرض كاملة وكل واحد أخذ نصيبه حسب الشرع وقمت بسداد الديون المتراكمة عليا وعند سداد دين أخي قال لي ليس هذا مبلغي لا بد من مقارنة مبلغي منذ أن اقترضته بالذهب وسداد ما يعادل قيمته الآن، هل هذا صحيح وواجب علي مع أني عرضت عليه قيراط أرض كذا مرة وكان يرفض؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن رابطة
الأخوة لهي من أعظم الروابط التي أمر الله بصلتها وحفظها، وما يقع بين الإخوة من
معاملات مالية ينبغي أن يُبنى على التسامح، والفضل، ومراعاة الظروف، عملاً بقوله
تعالى: {وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}. ومسألة سداد الديون في فترات
"التضخم الفاحش" وانهيار قيمة العملة الورقية تُعد من النوازل الفقهية
المعاصرة التي تتجاذبها قاعدتان: وجوب رد الدين بمثله، ووجوب رفع الضرر والغبن عن
الدائن. وفي حالتك هذه، يبرز نبل أخيك في رفضه أخذ الأرض سابقًا، وحرصك على إبراء
ذمتك حاليًا، ومفتاح الحل هنا هو "الصلح بالتراضي" لحفظ الحقوق وصيانة
الرحم.
اختصارًا:
الأصل
في الديون أنها تُردّ بأمثالها من نفس العملة والمبلغ وليس بقيمتها من الذهب إلا
إذا اشترطوا ذلك عند العقد، ولكن في حالات "التضخم الفاحش" وانهيار
العملة، يقع ضرر بالغ على الدائن إن أخذ نفس المبلغ، ولا يحق له من جهة أخرى إجبار
المدين على السداد بالذهب ما لم يُشترط ذلك عند التعاقد. والحل الشرعي الأمثل في
هذه النازلة هو "الصلح" أو "اقتسام الضرر". ويُعد اقتراح سداد
قيمة "قيراط الأرض" بسعره الحالي حلاً شرعيًّا وعادلاً ومنصفًا للطرفين،
ويُكافئ أخاك على مروءته السابقة. وإن شقّ ذلك، فيُصار إلى تقسيط المبلغ، أو
اقتسام فارق التضخم بينكما بالتراضي.
وتفصيلاً:
أولاً:
حكم سداد الدين مع وجود التضخم الفاحش وانهيار العملة:
قرر
مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي في قراراته أن الأصل
في الديون النقدية أن تُقضى بأمثالها، أي بنفس المبلغ المتفق عليه، ولا يجوز ربط
الديون بمستوى الأسعار أو بالذهب.
ومع
ذلك، استثنى مجمع الفقه الإسلامي والعديد من المجامع الفقهية ودور الإفتاء
المعاصرة حالة "التضخم الفاحش" الذي يُفقد العملة جزءًا كبيرًا جدًّا من
قوتها الشرائية، كالثلث أو النصف فأكثر. واستندوا في ذلك إلى رأي الإمام أبي يوسف
من الحنفية، وغيره من المحققين، الذين أفتوا بأنه إذا طرأ على العملة غلاء فاحش أو
رخص فاحش، فإنه يُصار إلى "قيمة" العملة الشرائية وقت ثبوت الدين، دفعًا
للضرر البالغ عن الدائن، لقول النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» رواه ابن ماجه.
فأخوك
محق في تضرره من أخذ المبلغ بقيمته الاسمية المنهارة، ولكنه مخطئ شرعًا في إصراره
المطلق على المطالبة بقيمته ذهبًا؛ لأن ربط الدين بالذهب بأثر رجعي دون اتفاق مسبق
لا يصح، ويثقل كاهل المدين بضرر مماثل. ولذلك، كان المخرج الشرعي هو
"الصلح".
ثانيًا:
طرح حل وسط قيمة قيراط الأرض الآن:
بما
أنك عرضت على أخيك سابقًا إعطاءه "قيراطًا من الأرض" سدادًا لدينه حينما
كانت قيمته تعادل الدين تقريبًا، ورفض هو ذلك تكرمًا منه وشفقة عليك ومروءة، فإنه
من محاسن الشريعة ومكارم الأخلاق ألا يُعاقب المرء على مروءته.
وعليه،
يُعد هذا الحل الوسط من أعدل الحلول الشرعية المتاحة الآن: وهو أن تُعطيه من مالك
الحالي أو مما نتج عن بيع الأرض ما يعادل ثمن قيراط أرض في وقت البيع الحالي.
وجه
الدلالة: هذا يُعد صلحًا وتراضيًا، وفيه تعويض عادل لأخيك يحفظ ماله من التآكل، وفيه وفاء
منك لعرضك السابق. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "رُدُّوا الخصوم حتى
يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن بين الناس". وهذا الحل يحقق العدل،
ويمنع الضغينة، ويوافق مقاصد الشريعة في حفظ الأموال.
ثالثًا:
كيفية التعامل إذا أثر التضخم على الطرفين عبر اقتسام الضرر وإنظار المعسر:
إذا
كان سداد قيمة القيراط بالسعر الحالي، أو سداد قيمة الدين بالذهب، سيُلحق بك ضررًا
بالغًا ويُعجزك عن السداد لأن التضخم أثر على الجميع، فإن الشريعة تضع الحلول
التالية بالترتيب:
الإنظار
أو التقسيط: إذا كنت معسرًا أو لا تملك السيولة الكافية لسداد
المبلغ المتصالح عليه دفعة واحدة، فيجب على أخيك إنظارك أو قبول التقسيط بالقدر
الذي تقدر عليه، لقوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ
مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}
[البقرة: 280].
اقتسام
فارق التضخم كحل توافقي: أفتى كثير من العلماء المعاصرين وهو ما
تميل إليه بعض توصيات لجان الفتوى بأنه في حال انهيار العملة وتضرر كلا الطرفين،
فإنه يُوزع ضرر التضخم عليهما مناصفة أو بنسبة يتراضيان عليها.
طريقة
الحساب: يُنظر كم كان يساوي الدين بالذهب وقت الاقتراض، وكم يساويه بالعملة الورقية الآن.
الفارق بين القيمتين يُقسم على اثنين. يتحمل الدائن نصف الخسارة، ويتحمل المدين
النصف الآخر.
هذا
الحل لا يجحف بالمدين بتحميله كامل عبء التضخم، ولا يظلم الدائن برد ورق لا قيمة
له. وهو مبني على قاعدة: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو
حرم حلالاً".
القواعد
الفقهية الحاكمة في سداد الدين مع وجود التضخم الفاحش وانهيار العملة:
الضرر
يُزال: قاعدة كلية كبرى، وبناءً عليها لا يُرد الدين المنهار بقيمته الاسمية البحتة لأن
في ذلك ضررًا فاحشًا بالدائن.
الديون
تُقضى بأمثالها لا بقيمتها: هذا هو الأصل العام، ولا يُعدل عنه إلا
عند التضخم الفاحش جدًّا، ويكون التعديل عبر الصلح.
الصلح
سيد الأحكام: تنازل الطرفين عن جزء من حقهما لإنهاء الخلاف وبقاء
المودة.
المشقة
تجلب التيسير: وتطبق هنا بإنظار المدين أو تقسيط المبلغ عليه إن عجز
عن السداد الفوري لقيمة الدين المُعدَّلة. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
أداء الدين بالدولار أم بالعملة المحلية؟