حكم بيع بيانات العملاء لاستخدامها في أغراض التسويق

Consultation Image

الإستشارة 06/09/2026

كما هو مشهور فإن كثيرا من الشركات الكبرى تستهدف تجميع ما يسمى بالبيانات السلوكية للمستهلكين، من خلال تصرفاتهم وتعاملاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، ثم تستخدم هذه المعلومات في تخصيص الإعلانات، أو تقوم ببيعها إلى آخرين بغرض التنبؤ بقراراتهم الاستهلاكية، فما الحكم الشرعي لهذا التصرف وهل يدخل ذلك في باب بيع الإنسان لما لا يملك، أو الاعتداء على الخصوصية والمصالح الشرعية المعتبرة؟

الإجابة 06/09/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك، أن قضية جمع البيانات السلوكية للمستهلكين وبيعها أو استخدامها للتنبؤ بالرغبات والتوجهات تعد من أبرز النوازل المعاصرة في فقه المعاملات والفضاء الرقمي. وتُقدر حجم تجارة البيانات العالمية في سوق وسطاء البيانات بأكثر من 300 مليار دولار أمريكي سنويًّا، وهي في نمو مطرد، حيث تعتمد عليها كبرى الشركات كمصدر دخل أساسي. وتتضمن هذه التجارة رصد تحركات المستخدم، وإعجاباته، ومقاطع الفيديو التي يشاهدها، ومدة وقوفه عند كل إعلان، لبناء "ملف شخصي" دقيق يُباع لمن يدفع أكثر. وهذه المسألة تتقاطع مع أبواب فقهية عديدة، كالملكية الفكرية والحقوق المعنوية، وبيع الغرر والتدليس، وحرمة الخصوصية والتجسس.

 

اختصارًا: البيانات الشخصية والسلوكية تُعد حقًّا ماليًّا ومعنويًّا للمستخدم، ولا يجوز للشركات جمعها أو استغلالها أو بيعها إلا بـ "رضا حقيقي ومُستنير" من المستخدم.

 

وإفصاح الشركات عن هذا الجمع في شروط الاستخدام بصيغ مطولة جدًّا، ومبهمة، ومليئة بالمصطلحات المعقدة التي لا يفهمها عموم الناس، يُعد من قبيل "التدليس" و"الغرر"، ولا يُحقق شرط "الرضا المعتبر شرعًا" في العقود.

 

وهذا باب يكثر فيه الخلط، وحلاله ـ إن كان فيه حلال ـ مختلط مع الكثير من الحرام والمال المشبوه، وينبغي للمسلم أن يربأ بنفسه عنه، فاستخلاص أمر مباح فيه، قد لا يأتي ولو بشق الأنفس.

 

وتفصيلاً:

 

يختلف الحكم الشرعي لجمع البيانات واستخدامها حسب الغرض المستخدمة فيه، وفي العادة يتم استخدامها للأغراض التالية:

 

الغرض التجاري والتسويقي: يجوز بيع البيانات واستخدامها فيه بشرطين أولهما: الحصول على إذن صريح وواضح لا لبس فيه من المستخدم. والثاني: أن يكون الترويج لسلع وخدمات مباحة شرعًا.

 

الغرض السياسي والدعائي: يغلب على هذا النوع التحايل، وغسيل الأدمغة، وبث الشائعات، وتوجيه الرأي العام بطرق خفية كما حدث في فضائح عديدة في تسريب البيانات للتأثير على الانتخابات. فإن كان الغرض التلاعب بعقول الناس ونشر الفساد أو الأكاذيب فهو محرم شرعًا.

 

حكم الوسطاء والأموال المتحصلة: الوسطاء مثل شركات تحليل البيانات، ومنصات الإعلانات يأخذون حكم الغرض الذي تُستخدم فيه البيانات. فما كان مباحًا وفي سلع مباحة برضا العميل؛ فأجر الوسيط حلال. وما كان مبنيًا على اختراق الخصوصية أو التدليس في العقود أو الترويج لمحرم أو التلاعب السياسي؛ فهو إعانة على الإثم، والمال المتحصل منه سحت ومحرم.

 

أولا: تكييف المسألة على التراث الفقهي:

 

في باب بيع الإنسان ما لا يملك: روى أصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي قال: «لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». فالبيانات السلوكية هي أثر من آثار العميل ومرتبطة بشخصه، وقيام الشركة ببيعها دون إذن واضح هو تصرف في حق الغير بغير إذنه، وهو ما يشبه "بيع الفضولي"، وهو موقوف أو باطل عند فقهاء المذاهب ما لم يُجزْه المالك الحقيقي.

 

في باب الغرر والتدليس بسبب الشروط المعقدة: قال الإمام ابن تيمية في الفتاوى: "والرضا المعتبر في المعاوضات هو الرضا بما يعاوض عليه، فإذا لم يعلم مقداره أو وصفه لم يحصل الرضا". فالشروط الطويلة المبهمة تُفقد العقد شرط "العلم بالمعقود عليه".

 

في باب الخصوصية: قال تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا}. وقال الغزالي في الإحياء في معرض حديثه عن كشف العورات وتتبع العثرات: "وكل ما أخفاه الإنسان وكره أن يُطّلع عليه، فكشفه من باب التجسس". وتتبع مسارات العميل الرقمية دون علمه الحقيقي داخل في هذا الباب.

 

قرارات المجامع الفقهية المعاصرة بشأن الحقوق المعنوية:

 

قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي في قراره رقم 43 5/5 بشأن الحقوق المعنوية: "الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار، هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العُرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس لها، وهذه الحقوق يعتد بها شرعًا، فلا يجوز الاعتداء عليها". ويُلحق بها المعرّف الرقمي والبيانات السلوكية للمستخدم، فهي حق له لا يجوز استغلاله للتربح إلا بإذنه الصريح.

 

وقد أفتى العديد من العلماء المعاصرين والباحثين في فقه النوازل المالية، بأن العقد الإلكتروني الذي يُجبر المستخدم على الموافقة على شروط طويلة للوصول للخدمة، يتضمن إكراهًا أدبيًّا وغررًا؛ لأن الشركة تخفي في طيات آلاف الكلمات بنودًا تسلب المستخدم خصوصيته وتبيح بيع بياناته، وهذا يتنافى مع مبدأ الشفافية والبيان المطلوب شرعًا في العقود، لقوله: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» متفق عليه.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في بيع بيانات العملاء:

 

قاعدة: الأمور بمقاصدها: وتُطبق على الغرض من جمع البيانات؛ فإن جُمعت للتسويق المباح حلت، وإن جُمعت للتدليس السياسي أو نشر الفساد حرمت.

 

قاعدة: الإعانة على المعصية معصية: وبناءً عليها يحرم عمل الوسطاء إذا علموا أن البيانات ستُستخدم في انتهاك خصوصية الأفراد، أو التشهير، أو الترويج لمحرمات، أو الاحتيال المالي والسياسي.

 

قاعدة: لا ضرر ولا ضرار: جمع البيانات الذي يؤدي إلى انتهاك الخصوصية، أو استغلال ضعف المستهلكين كاستهداف مدمني التسوق أو القمار أو المراهقين بإعلانات مدمرة هو ضرر يجب دفعه شرعًا.

 

قاعدة: كل شرط نافى مقتضى العقد فهو باطل: العقد بين المستخدم والتطبيق هو عقد "إجارة" خدمة مقابل رؤية إعلانات أو مبلغ مالي، وشرْط التنازل المطلق عن البيانات الشخصية لتباع لجهات مجهولة هو شرط تعسفي يخالف مقتضى عقد الخدمة الأساسي، لا سيما مع التدليس في إخفائه ضمن المصطلحات المعقدة.

 

قاعدة: الرضا في العقود منوط بالعلم: فلا عبرة بموافقة المستخدم الضغط على زر موافق على شروط يجهل حقيقتها أو دُلِّس عليه فيها بكثرة المصطلحات الفنية المعقدة والمبهمة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

الحقوق الفكرية.. التفريق بين الخبرة والمعلومة 

التعليقات

الرابط المختصر :