الحقوق الفكرية.. التفريق بين الخبرة والمعلومة

Consultation Image

الإستشارة 04/03/2026

أعمل مهندسا في احدى الشركات وأثناء عملي بالشركة أقوم بالاحتفاظ بنسخة كاملة من مشروعات الشركة على جهاز خاص بي حتي إذا أردت الانتقال لشركة أخرى صار معي من الملفات والبيانات التي أحتاجها وأستفيد منها في عملي الجديد وليست نيتي الإضرار بالشركة الحالية أو افشاء أسرارها أو فشو أسرارها، لكن هذه الملفات تتضمن رسومات وتصميمات ومستندات فنية ضخمة ومتنوعة يصعب تلخيصها أو إعادة كتابتها، وهي أمور ضرورية جدًّا لطبيعة عملي وأرى أنني قد أحتاج إليها مستقبلا حتى أتمكن من أداء عملي على الوجه المطلوب.

ومع انتشار هذا الأمر بين الموظفين بدأت الشركات تلزمنا بتوقيع اتفاقية عدم إفصاح (NDA) تنص على عدم جواز أخذ أي ملفات أو بيانات تخص مشروعات الشركة أو إفشاء أسرار العمل. وقد وقّعت على هذه الاتفاقية.

والآن أنا في حيرة شديدة فإن قمت بحذف جميع البيانات والملفات التي احتفظت بها، أخشى أن تضيع عليَّ خبرة كبيرة أحتاجها في عملي، وربما يؤثر ذلك على مستقبلي المهني، إذ لا أتصور أن أستغني عنها. وفي الوقت نفسه يؤنبني ضميري بسبب احتفاظي بهذه الملفات بعد توقيع اتفاقية عدم الإفصاح وحتى بدون الاتفاقيات فان الشركات ترفض تماما اخذ نسخه من اعمالها فماذا افعل ؟

الإجابة 04/03/2026

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فبادئ ذي بدء فإني أحيي فيكم روح الأمانة، وتحري الحلال، والبعد عن الشبهات، وهو ما ينبغي أن يكون عليه كل مسلم، لكنه وللأسف صار من النوادر في هذا الزمان.

 

ثانيًا: لتقديم فتوى متخصصة مفصلة ترد على سؤالك بالحكم الشرعي الصحيح الموافق لحال المستفتي فلا بد من الاستفسار وتداول الرأي في كثير من الأمور، منها:

 

ما طبيعة عملك في الشركة؟ مصمم، منفذ، مشرف على التنفيذ؟ وهل الملفات التي تتحدث عنها هي من إنتاجك؟ أو من إنتاجك وإنتاج آخرين، وما الذي تعنيه تحديدًا بالخبرة؟ وما مدى تأثر الشركة واستفادة المنافسين مما تحت يدك من ملفات، وغيرها من الأسئلة.

 

لكن سأحاول الإجابة بشكل عام، قد ينطبق على حالك، أو لا ينطبق، فأنت أعلم بأمر نفسك، ولا تأخذ الفتوى، على حد قول القائل ضعها في رقبة عالم، واخرج منها سالمًا، وتذكر قول النبي، في حديث أم سلمة في الصحيحين، أنه سمع جلبة خصام بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: "إنَّما أَنَا بَشَرٌ، وإنَّه يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأحْسِبَ أنَّه صَادِقٌ، فأقْضِيَ له بذلكَ، فمَن قَضَيْتُ له بحَقِّ مُسْلِمٍ، فإنَّما هي قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ لِيَذَرْهَا". والأصل في النزاعات ذات الطرفين، لتعلق الأمر بحقوق آخرين، أن يسمع المفتي من الطرفين جميعا، ولكنه متعذر في حالتكم.

 

وبخصوص الواقعة محل السؤال فأقول مستعينًا بالمولى: بقاء هذه الملفات على جهازك الشخصي بعد توقيعك على الاتفاقية (NDA) وبعد علمك برفض الشركة محرم شرعًا، إذا كان الغرض منه الاستفادة الشخصية، أما احتفاظك به بعلم الشركة لصالح الشركة إن كان مأذونًا لك فيه فبالطبع لا حرج فيه.

 

إذا تقرر هذا نقول وبالله التوفيق، وهو جل وعلا المستعان، هناك عدة قواعد فقهية وشرعية تحكم هذه العلاقة وأمثالها، منها:

 

• المؤمنون عند شروطهم إلا شرطًا حرّم حلالاً أو أحل حرامًا.

 

• المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.

 

• الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما مشتبهات فمن تركها فقد استبرأ لدينه وعرضه.

 

• من ترك شيئًا لله عوضه الله عنه.

 

• الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس.

 

وللتفصيل فإن سؤالك يمس قضية معاصرة شائكة تجمع بين "الأمانة الرقمية" و"حقوق الملكية الفكرية" و"الخبرة المهنية".

 

أولاً: التحليل القانوني والشرعي للعلاقة التعاقدية

 

بمجرد توقيعك على اتفاقية عدم الإفصاح (NDA)، دخلت في عقد شرعي ملزم. القاعدة الفقهية الكبرى المستمدة من الحديث النبوي تقول: "المسلمون على شروطهم" (رواه أبو داود وصححه الألباني).

 

وهذه الرسومات والمستندات ليست ملكًا شخصيًّا، بل هي "أصول غير ملموسة" مملوكة للشركة، دفعت الشركة مقابل إنتاجها أجورًا ومصاريف، فهي تدخل في باب "الأموال" التي لا يجوز أخذها إلا بإذن صاحبها. والموظف في الشريعة يُكيف على أنه "أجير خاص"، والواجب عليه حفظ أسرار مؤجره وممتلكاته.

 

ثانيًا: رأي المجامع الفقهية وكبار العلماء

 

اتفق العلماء المعاصرون والمجامع الفقهية على حماية "الحقوق المعنوية" و"الملكية الفكرية":

مجمع الفقه الإسلامي الدولي: في قراره رقم 43 (5/5)، نص على أن: "الحقوق المعنوية كحقوق التأليف والاختراع والابتكار هي حقوق مصونة شرعًا، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها". وأخذُ ملفات الشركة دون إذن هو اعتداء على هذا الحق.

 

واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (السعودية): سُئلت عن نسخ برامج أو ملفات تابعة لجهات العمل، فأفادت بأنه لا يجوز ذلك إذا كانت الجهة تمنع النسخ، لما فيه من مخالفة للشروط واعتداء على حقوق الآخرين.

 

الشيخ ابن عثيمين (رحمه الله): كان يشدد على الوفاء بالشروط مع جهات العمل، ويرى أن ما ينتجه الموظف أثناء دوامه وبآلات الشركة هو ملك خالص للشركة، ولا يجوز له تملكه أو الاستحواذ عليه.

 

ثالثًا: التفريق بين "الخبرة" و"المعلومة"

 

هنا تكمن الحيرة التي تشعر بها، ولحلها يجب أن نفرق بين شيئين:

 

أولهما: الخبرة المهنية (مباحة): هي المهارات التي اكتسبها عقلك، وطريقة تفكيرك كمهندس، والأساليب التي تعلمتها في حل المشكلات. هذه ملكك ولا يمكن لأحد نزعها منك، ويضاف إليها ما أنتجته بنفسك ولو لحساب الشركة، ليس للاستفادة به وتأجيره لآخرين، ولكن الاحتفاظ به كحافظة أعمال، تقدم دليلاً على كفاءتك وخبرتك، كأن تكتب في سيرتك الذاتية قمت بالخطوات كذا وكذا في مشروع كذا، واجهت المشكلة الفلانية في مشروع كذا وحللتها بالخطوات، واحد، اثنان، ثلاثة، نموذج من تصميماتك وإنتاجك لتبرهن على قدرتك على أداء العمل المطلوب منك في الشركة الجديدة التي ربما تتقدم لتعمل فيها، وأيضًا المعلومات العامة التي تنشرها شركتك والشركات الأخرى للجميع، كالتي تفصح عنها للإعلام بخصوص التكاليف، وحل المشكلات وغيرها.

 

البيانات الفنية (محظورة): هي الأرقام، المخططات الدقيقة، التفاصيل التنفيذية، وقواعد البيانات. هذه ملك للشركة، والاحتفاظ بها دون إذن هو "خيانة أمانة" شرعًا وقانونًا، حتى لو لم تكن نيتك الإضرار.

 

رابعًا: الحكم الشرعي والعملي لموقفك

 

بناءً على ما سبق فإن الواجب عليك ما يلي:

 

• حذف الملفات: يجب عليك التخلص من النسخ التي لا تملك حق حيازتها إبراءً لذمتك.

 

• تحويل المعلومة إلى خبرة: بدلاً من الاعتماد على "النسخ واللصق" من ملفات قديمة، استثمر وقتك في تلخيص "المنهجية" أو "القواعد العامة" التي تعلمتها في مفكرة شخصية بأسلوبك الخاص، دون أخذ التصاميم الأصلية للشركة.

 

• الاستئذان: إذا كانت هناك ملفات "عامة" أو نماذج (Templates) غير سرية وترى أنها ضرورية، فالطريق الشرعي هو طلب الإذن الرسمي من الإدارة. إن وافقوا فبها، وإن رفضوا فقد أديت ما عليك.

 

ولا تنس أن لكل مؤسسة عرفها العام، يعرفه العاملون فيها حق المعرفة، ويدركون ما يصلح أن يمارس فيها من معاملات، وما لا يصلح، والضابط هنا: "أن ما يمكنك الحديث عنه على الملأ أمام الجميع وأنت لا تزال على رأس عملك، دون استشعار للحرج فهو في أغلب الأمر مباح، أما ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه، فهو إثم عافانا الله وإياك من الإثم".

 

وتذكر حديث النبي ﷺ: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". وثق تمامًا أن رزقك وتطورك المهني لن يتوقفا على "ملفات مشكوك أو مشتبه بها"، بل إن البركة في الرزق تأتي مع تحري الحلال. وفقك الله لما يحب ويرضى.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

حكم الاعتداء على الحقوق المعنوية خاصة إذا كانت هذه الحقوق لمحاربين

الرابط المختصر :