التوريق (بيع الدين) حقيقته وحكمه

Consultation Image

الإستشارة 27/01/2026

نسمع كثيرا عن مصطلح التوريق في المعاملات المالية المعاصرة، فما المقصود به ، وما حكمه الفقهي؟

الإجابة 27/01/2026

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فالتوريق أو التصكيك (بيع الدين): هو جعل الدين المؤجل في ذمة الغير في الفترة ما بين ثبوته في الذمة وحلول أجله، صكوكًا قابلة للتداول في سوق ثانوية، وبذلك: يمكن أن تجري عليه عمليات التبادل والتداول المختلفة، وصوره متنوعة، وضابط المنع أن يكون من ربا الفضل أو ربا النسيئة، فإن خلا من الربا فهو جائز.

 

جاء في الموسوعة الفقهية الميسرة في القضايا المعاصرة:

 

التصكيك: جعل الدين المؤجل في ذمة الغير في الفترة ما بين ثبوته في الذمة وحلول أجله، صكوكًا قابلة للتداول في سوق ثانوية، وبذلك: يمكن أن تجري عليه عمليات التبادل والتداول المختلفة.

 

ولها ثلاث طرق:

 

الطريقة الأولى: بيع المصدر الأصلي "البنك مثلا" الدَّين برمته إلى مالك جديد.

 

الطريقة الثانية: بيع الفوائد المتوقعة من القرض مع بقاء ملكية الدَّين للمصدر الأصلي.

 

الطريقة الثالثة: إصدار سندات مضمونة بتلك الديون، ثم بيعها، فتكون الديون الأصلية ضمانا لتلك السندات فقط.

 

حكم المسألة

 

والمسألة لها ثلاثة أحوال:

 

الحال الأولى: تصكيك مديونية النقود:

 

إذا كان الدين الثابت في الذمة المؤجل السداد نقودًا، فقد اتفقت كلمة الفقهاء على عدم جواز توريقه، وامتناع تداوله في سوق ثانوية.

 

سواء بيعَ بنقد معجل من جنسه: حيث إنه يكون من قبيل حسم الكمبيالات، وينطوي على ربا الفضل والنساء باتفاق الفقهاء.

 

أو بيع بنقد معجل من غير جنسه: لاشتماله على ربا النساء، وذلك لسريان أحكام الصرف عليه.

 

ولا فرق في ذلك الحكم بين ما إذا كان سبب وجوب الدين النقدي في الذمة قرضًا أو بيعًا أو إجارة أو غير ذلك.

 

وبناء على ذلك: فلا يجوز توريق دين المرابحة "المصرفية" المؤجل، وتداوله من قبل المصارف الإسلامية أو الأفراد في سوق ثانوية أو عن طريق البيع المباشر بنقد معجل أقل منه، كما يجري في عمليات توريق الديون المختلفة وتداولها في سوق الأوراق المالية، حيث إن ذلك من الربا باتفاق أهل العلم.

 

الحال الثانية: تصكيك مديونية السلع:

 

أن تكون موجودات وعاء المضاربة سلعًا عينية، فهذا لا حرج شرعًا في بيع صكوكها بنقود معجلة أقل من قيمتها السوقية أو أكثر أو مساوية، ولا حرج أيضًا في شراء المساهم الجديد حصة المساهم الخارج؛ لأن ذلك كله من قبيل بيع الأعيان بالنقود المعجلة، ولا ينطوي على صريح الربا أو شبهته، وهو خال أيضًا من الغرر المحظور شرعًا، والأصل فيه الحل والمشروعية.

 

الحال الثالثة: تصكيك مديونية السلع والنقود:

 

أن تكون موجودات وعاء المضاربة خليطًا من سلع عينية ونحوها من المنافع، وديون مرابحات وفي هذه الحالة يفرق بين صورتين:

 

الصورة الأولى: أن تكون قيمة الأعيان "ونحوها من المنافع" أكثر من مقدار الدَّين الموجود في الوعاء، وعندها يسري على هذه الصورة حكم الحالة الأولى، وهو الحل والجواز؛ إذ الأقل تبع للأكثر، وللأكثر حكم الكل، كما هو مقرر في قواعد الفقه، ولأنه يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها.

 

الصورة الثانية: أن تكون قيمة الأعيان والمنافع أقل من مقدار دين المرابحة، وعندها يسري على هذه الصورة حكم الحالة الثانية، وهو الحرمة والحظر، إذ الأقل لا يزاحم الأكثر، ولأن إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع. أ. هـ باختصار وتصرف.

 

قرار مجمع الفقه الدولي

 

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته التاسعة عشرة في إمارة الشارقة (دولة الإمارات العربية المتحدة) من 1 إلى 5 جمادى الأولى 1430هـ، الموافق 26-30 نيسان (إبريل) 2009م،

 

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع الصكوك الإسلامية (التوريق) وتطبيقاتها المعاصرة وتداولها، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،

 

قرر ما يأتي:

 

أولًا: المقصود بالتوريق، والتصكيك: التوريق التقليدي: تحويل الديون إلى أوراق مالية (سندات) متساوية القيمة قابلة للتداول، وهذه السندات تمثل دينًا بفائدة لحاملها في ذمة مصدرها، ولا يجوز إصدار هذه السندات ولا تداولها شرعًا.

 

أما التصكيك (التوريق الإسلامي) فهو إصدار وثائق أو شهادات مالية متساوية القيمة تمثل حصصًا شائعة في ملكية موجودات (أعيان أو منافع أو حقوق أو خليط من الأعيان والمنافع والنقود والديون) قائمة فعلًا أو سيتم إنشاؤها من حصيلة الاكتتاب، وتصدر وفق عقد شرعي وتأخذ أحكامه.

 

ثانيًا: خصائص الصكوك:

 

(1) يمثل الصك حصة شائعة في ملكية حقيقية.

 

(2) يصدر الصك على أساس عقد شرعي، ويأخذ أحكامه.

 

(3) انتفاء ضمان المدير (المضارب أو الوكيل أو الشريك المدير).

 

(4) أن تشترك الصكوك في استحقاق الربح بالنسبة المحددة وتحمّل الخسارة بقدر الحصة التي يمثلها الصك، ويمنع حصول صاحبه على نسبة محددة مسبقًا من قيمته الاسمية أو على مبلغ مقطوع.

 

(5) تحمل مخاطر الاستثمار كاملة.

 

(6) تحمل الأعباء والتبعات المترتبة على ملكية الموجودات الممثلة في الصك، سواء كانت الأعباء مصاريف استثمارية أو هبوطًا في القيمة، أو مصروفات الصيانة، أو اشتراكات التأمين.

 

ثالثًا: أحكام الصكوك:

 

(1) لا يجوز أن يتعهد مدير الصكوك بإقراض حملة الصكوك، أو بالتبرع عند نقص الربح الفعلي عن الربح المتوقع، وله – بعد ظهور نتيجة الاستثمار – أن يتبرع بالفرق، أو أن يقرضه، وما يصير عرفًا يعتبر كالتعهد.

 

(2) مدير الصكوك أمين لا يضمن قيمة الصك إلا بالتعدي أو التقصير أو مخالفة شروط المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار.

 

(3) لا يجوز إطفاء الصكوك بقيمتها الاسمية بل يكون الإطفاء بقيمتها السوقية، أو بالقيمة التي يتفق عليها عند الإطفاء.

 

(4) يراعى في الصكوك من حيث قابليتها للتداول الالتزام بالضوابط المنصوص عليها في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم: 30 (4/5) التالية:

 

(أ) إذا كانت مكونات الصكوك لا تزال نقودًا فتطبق أحكام الصرف.

 

(ب) إذا انقلبت الموجودات لتصبح ديونًا كما هو الحال في بيع المرابحة فيطبق على تداول الصكوك أحكام الدين، من حيث المنع إلا بالمثل على سبيل الحوالة.

 

(ج) إذا صار مال القراض موجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع فإنه يجوز تداول صكوك المقارضة وفقًا للسعر المتراضى عليه، على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعيانًا ومنافع. أما إذا كان الغالب نقودًا أو ديونًا فتراعى في التداول الأحكام الشرعية التي ستبينها لائحة تفسيرية توضع وتعرض على المجمع في الدورة القادمة. وفي جميع الأحوال يتعين تسجيل التداول أصوليًّا في سجلات الجهة المصدرة.

 

رابعًا: لا يجوز أن يتخذ القول بالجواز ذريعة أو حيلة لتصكيك الديون وتداولها كأن يتحول نشاط الصندوق إلى المتاجرة بالديون التي نشأت عن السلع، ويجعل شيئًا من السلع في الصندوق حيلة للتداول.

 

خامسًا: التطبيقات المعاصرة للصكوك:

 

انطلاقًا من أن الشريعة الإسلامية قادرة على استيعاب المستجدات، ومنها الحل لكل ما يطرأ والحكم على كل ما يستجد، وانطلاقًا من أن الصكوك الإسلامية تعتبر ابتكارًا لأداة تمويلية شرعية تستوعب القدرات الاقتصادية الكبيرة، فقد تعددت مجالات تطبيق الصكوك، ومنها استخدامها أداة فاعلة من أدوات السياسة النقدية، أو في تمويل موارد البنوك الإسلامية أو استثمار فائض سيولتها، وفي إعمار الممتلكات الوقفية، وتمويل المشروعات الحكومية، وإمكانية استخدام هذه الصكوك في الخصخصة المؤقتة شريطة أن يكون عائد هذه الصكوك جميعها ناشئًا عن موجودات دارة للدخل.

 

يوصي المجمع بما يلي:

 

(1) ضرورة التزام المصارف الإسلامية بالبحث عن حلول تلبي الحاجات الاقتصادية وتلتزم بالأحكام الشرعية.

 

(2) حيث إن الإطار القانوني لعملية التصكيك هو أحد المقومات الأساسية التي تؤدي دورًا حيويًّا في نجاح عمليات التصكيك فإن مما يحقق ذلك الدور قيام السلطات التشريعية في الدول الأعضاء بإيجاد الإطار القانوني المناسب والبيئة القانونية الملائمة والحاكمة لعملية التصكيك من خلال إصدار تشريعات قانونية ترعى عمليات التصكيك بمختلف جوانبها وتحقق الكفاءة الاقتصادية والمصداقية الشرعية بشكل عملي. أ. هـ.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

القرض بضمان الذهب.. بين الحاجة إلى السيولة وضوابط الشريعة

التورق المصرفي المنظم.. بين التبرير والتضليل

الاستثمار الآمن والبنوك الإسلامية

الرابط المختصر :