الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
114 - رقم الاستشارة : 5729
30/08/2026
اقترضت من أخي مبلغاً بالدولار الأمريكي قبل سنتين لعدم استقرار العملة المحلية، والآن حان وقت السداد، وأخي يطالبني برد المبلغ بنفس العملة (الدولار)، بينما أريد أنا سداده بالعملة المحلية بحسب سعر الصرف يوم الاقتراض لأن سعر الدولار تضاعف الآن؛ فهل يجب أداء الدين بنفس العملة المتفق عليها أم بقيمتها وقت القرض؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلا وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله
ورعاك، أن
عقد القرض في الشريعة الإسلامية مبني على الإرفاق والإحسان والعدل، والأصل المقرر
شرعًا في باب القروض والديون هو وجوب "رد المثل" حفظًا لحقوق المقرض،
ومراعاة لشرط العقد وتوازنه دون إلحاق الضرر بأحد الطرفين.
اختصارًا: يجب
عليك شرعًا سداد القرض بنفس العملة المتفق عليها وقت الاقتراض، وهي الدولار
الأمريكي، بصرف النظر عن ارتفاع سعره أو انخفاضه مقابل العملة المحلية. ولا يجوز
لك إلزام أخيك بالقبول بالعملة المحلية وفق سعر الصرف يوم الاقتراض؛ لأن ذلك يُعد
بخسًا لحقه وإسقاطًا لجزء من الدين دون رضاه.
بل
لو كنت قد اقترضت منه بالعملة المحلية ثم تغيرت قيمتها تغيرًا فاحشًا لوجب عليك أن
تعوضه عن تدهور سعر العملة، وفاء له ورفعًا للضرر عنه، وهو ما أفتى به بعض من
العلماء كما سيأتي.
ويجوز
بالتراضي - إذا قبل أخوك - الاتفاق عند السداد على سداد الدين بالعملة المحلية،
ولكن بسعر الصرف السائد يوم السداد وليس يوم الإقراض، بشرط القبض الفوري والمباشر
في مجلس العقد، وأيضًا يجوز له بلا شرط منك أن يسقط عنك بعض الدين أو كله حسب ما
يتراءى له.
وتفصيلاً:
أولا:
إجماع الفقهاء المتقدمين على وجوب رد المثل
اتفق
جماهير فقهاء المذاهب الأربعة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على أن
القرض يُرد بمثله جنسًا وقدرًا.
قال
الإمام النووي الشافعي في المجموع شرح المهذب 12/362: «قال أصحابنا: القرض يقتضي
رد المثل، سواء رخصت قيمته أو غلت، هذا هو المذهب الصحيح المنصوص عليه».
وقال
الإمام ابن قدامة الحنبلي في المغني 4/241: «المستقرض يثبت في ذمته مثل ما
استقرضه، ولا تلزمه قيمته، لأن القرض يقتضي رد المثل، والمثل أولى بالرد من
القيمة».
السنة
النبوية والفقهاء في السداد بغير عملة القرض:
يجوز
قضاء الدين بغير عملته بشرط التراض وبسعر يوم السداد، لحديث عبد الله بن عمر رضي
الله عنهما أنه قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير
وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا بَأْسَ أَنْ
تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» رواه
أبو داود والترمذي وصححه الحاكم.
عند
تغير قيمة العملة تغيرًا فاحشًا، اختلف الفقهاء في كيفية أداء الدين على ثلاثة
أقوال رئيسية:
القول
الأول: لأبي حنيفة والشافعية والحنابلة والمالكية على المشهور عندهم، وهو أن
الواجب على المدين أداء نفس النقد المحدد في العقد والثابت دينًا في الذمة، دون
زيادة أو نقصان. وليس للدائن سواه.
القول
الثاني: لأبي يوسف وعليه الفتوى عند الحنفية، وهو أنه يجب على المدين أن يؤدي قيمة
النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة من نقد رائج.
القول
الثالث: وجه عند المالكية، وهو أنه إذا كان التغير فاحشًا، فيجب أداء قيمة النقد
الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص. أما إذا لم يكن التغير فاحشًا، فالمثل أي نفس
النقد.
وإن
الديون المقدرة بنقد معين، إذا ارتفعت قيمة ذلك النقد وأُلزم المدين بسدادها
بالمثل، يزداد العبء عليه ويقع عليه ضرر. وإذا انخفضت قيمة النقد، يكون في سداد
الدين بالمثل ضرر على الدائن. وقد يكون الضرر في كلتا الحالتين كبيرًا بحسب نسبة
التغير. وقد يصبح النقد المعين نادرًا عند الوفاء، أو ينقطع فيتعذر أداء المثل.
(الموسوعة الفقهية الكويتية، ج ٤٢، ص ١٩٨).
قرارات
المجامع الفقهية الحديثة في السداد بغير عملة القرض:
جاء
في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي رقم 42 5/5:
«العبرة
في وفاء الديون الثابتة بعملة ما، هي بالمثل وليس بالقيمة؛ لأن الديون تقضى
بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة بالذمة أيًّا كان مصدرها بمستوى الأسعار».
القواعد
الفقهية الحاكمة في السداد بغير عملة القرض:
قاعدة:
المثل يُضمن بمثله:
تقتضي
هذه القاعدة أن ما ثبت في الذمة من أموال أو عملات تم اقتراضها يجب رده بمثله صنفًا
وقدرًا، ولا يُنتقل إلى القيمة إلا عند تعذر وجود المثل.
قاعدة:
الغُرمُ بالغُنم:
كما
أن المقترض يستفيد من استقرار قيمة العملة المقترضة أو ارتفاعها، فإنه يتحمل تبعات
تغير سعر الصرف عند الوفاء؛ فالمنافع تقابلها التكاليف والمخاطر.
قاعدة:
لا ضرر ولا ضرار:
إلزام
المقرض بسبل وفاء تعتمد سعر صرف قديم منخفض يلحق به ضررًا بالغًا وبخسًا لحقه الذي
أنفق منه بإحسان، والشريعة الإسلامية جاءت لرفع الضرر وإقامة العدل. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: