الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
20 - رقم الاستشارة : 5568
12/08/2026
أنا مزارع وعندي محصول من القمح، جاءني تاجر قبل الحصاد بشهرين وعرض عليّ شراء المحصول كاملاً بسعر منخفض مقابل أن يدفع لي الثمن نقداً فوراً لأتمكن من الإنفاق على الأرض؛ فهل يجوز بيع المحصول قبل ظهوره وحصاده بهذه الطريقة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وبارك الله لك في
أرضك وزرعك ورزقك من الطيبات. إن حرصك على تحري الحلال في معاملاتك المالية
والإنفاق على أرضك من كسب طيب هو أمر محمود ومأجور عليه شرعًا.
اختصارًا: لا يجوز شرعًا بيع "محصول هذه الأرض بخصوصها" قبل ظهوره وبدو
صلاحه؛ لما في ذلك من الغرر والجهالة الكبيرة، لاحتمال تلف المحصول أو عدم خروجه،
وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار والزرع حتى يبدو صلاحه.
ولكن يجوز لك الوصول لنفس النتيجة الشرعية عبر عقد
السَّلَم: وهو أن تتفق مع التاجر على بيعه كمية محددة وموصوفة صفة دقيقة في الذمة
من القمح كأن تتفقا على بيع 5 أطنان من القمح ذي الجودة الممتازة بسعر يتفق عليه،
ويقبض منك التاجر الوصف المكتوب وتستلم منه كامل الثمن نقدًا وفورًا في مجلس العقد
لتنفق على أرضك، على أن تسلمه القمح بعد شهرين، دون الاشتراط في العقد أن يكون
القمح من أرضك هذه حصرًا، بحيث لو حلت بها آفة لا قدر الله فأنت تقوم بتوفير هذه
الكمية له من السوق.
وتفصيلاً:
الإمام النووي الشافعي (ت 676 هـ): في النهي عن بيع الزرع المعين قبل بدو الصلاح جاء
في روضة الطالبين وعمدة المفتين 3/ 513: «ولا يصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولا
بيع الزرع الأخضر في الأرض ... لنهي النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها».
وفي نهي تخصيص السلم بأرض معينة: جاء في المجموع شرح
المهذب 13/ 120: «نهى رسول الله ﷺ عن السلم في ثمرة بستان بعينه، ولأنه قد يصاب
ذلك البستان بآفة فلا يسلم منه شيء فيؤدي إلى انقطاع السلم وتعذر التسليم».
الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي (ت 620هـ): جاء في المغني 4/ 221 موضحًا الفرق بين بيع
المحصول المعين والسلم الموصوف في الذمة: «ولا يصح السلم في ثمر بستان بعينه، ولا
قرية بعينها... لأنه لا يؤمن انقطاعه فيؤدي إلى الغرر، وإنما يصح السلم فيما يثبت
في الذمة بمقداره وصفته».
كما نقل الإجماع على استثناء "السلم" من نهي
بيع المعدوم لمصلحة المزارع: «أجمع أهل العلم على أن السلم جائز... لأن بالناس
حاجة إليه، لأن أرباب الزروع والثمار يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وزروعهم
فتُقضى حاجتهم بالسلم».
ثانيًا: قرارات المجامع الفقهية والعلماء المعاصرين في
بيع المحصول قبل نضجه:
مجمع الفقه الإسلامي الدولي القرار رقم 85 2/9 بشأن عقد
السلم وتطبيقاته المعاصرة:
أكد المجمع على مشروعية عقد السلم لتمويل المزارعين،
وجاء فيه: « يصلح عقد السلم لتمويل عمليات زراعية مختلفة، حيث يتعامل المصرف
الإسلامي مع المزارعين الذين يتوقع أن توجد لديهم السلعة في الموسم من محاصيلهم أو
محاصيل غيرهم التي يمكن أن يشتروها ويسلّموها إذا أخفقوا في التسليم من محاصيلهم،
فَيُقَدِّمُ لهم هذا التمويل نفعًا بالغًا ويدفع عنهم مشقة العجز المالي عن تحقق
إنتاجهم».
الموسوعة الفقهية الكويتية مادة: سلم:
«أجمع الفقهاء على جواز السلم في الحبوب والثمار إذا
ضبطت بالأوصاف التي تختلف بها الأغراض، وعُيِّن الأجل وكان الثمن مقبوضًا بمجلس
العقد، مع عدم تخصيصه بأرض معينة حماية للعقد من الغرر عند جائحة الأرض».
القواعد الفقهية الحاكمة في بيع المحصول قبل نضجه:
قاعدة "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو
خاصة":
وهي القاعدة التي استُثني بها "عقد السلم" من
الأصل العام المانع لبيع المعدوم؛ نظرًا لحاجة المزارعين الماسة للسيولة المالية
والإنفاق على زراعتهم قبل وقت الحصاد.
قاعدة "الغرر يفسد العقود":
وهي القاعدة التي حظرت بيع محصول بستان بعينه قبل ظهوره؛
حمايةً للمتعاقدين من مخاطر هلاك المحصول بالآفات السماوية وما يترتب عليه من أكل
أموال الناس بالباطل والنزاع.
قاعدة "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا
للألفاظ والمباني":
فإذا كان الاتفاق صيغته "بيع ثمرة هذه الأرض قبل أن
تخرج" فهو عقد باطل ملغى، أما إذا صيغ بلفظ "سلم في قمح موصوف بالذمة
مقبوض الثمن فورًا" فهو عقد شرعي صحيح ونافذ.
قاعدة "الأصل في المعاملات الإباحة والحل إلا ما
ورد الشرع بتحريمه":
حيث أباح الشارع صورة السلم المستوفية لشروطها رفعاً
للحرج والمشقة عن أصحاب الزرع والتجارة. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: