الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
108 - رقم الاستشارة : 5566
11/08/2026
والدي رجل غني وله ثلاثة أبناء، وقام مؤخراً بشراء سيارة فاخرة لأخي الأكبر بمناسبة زواجه، بينما لم يعطني أنا وأخي الأوسط شيئاً بحجة أننا لم نتزوج بعد؛ فهل يجب على والدي شرعاً "التسوية بين الأبناء في العطايا" في حياته، أم يحق له التفضيل بناءً على الحاجة والمناسبة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الأصل الشرعي
المقرر في معاملة الآباء للأبناء هو إقامة العدل والقسط في العطايا والهبات حال
الحياة، حسمًا لأسباب الضغينة، وتآلفًا للقلوب، وتماسكًا للأرحام.
اختصارًا: المعول عليه في هذه المسألة هو تحقيق العدل، والمصلحة وهو معنى أشمل وأوسع
من مجرد المساواة، ولا يظن بالشرع الذي يسمح لصاحب المال أن ينفقه في كل وجه من
وجوه الخير دون أن يكون لأحد من أبنائه الاعتراض، أن يمنع منه ولده في حياته إذا
كانت لذلك مصلحة أو حاجة.
ولذلك يفرّق الفقهاء بين الهبة المحضة أو الهدية المجردة
وبين النفقة وتلبية الحاجات الخاصة كالزواج، أو العلاج، أو التعليم. فعلى سبيل
المثال شراء سيارة أو إعطاء مال للابن بمناسبة زواجه يُعدّ عند جماهير الفقهاء من
باب النفقة والتجهيز المعتاد للزواج وهو أمر يقره العرف حسب يسار الوالد، ولا
يُعدّ من الهبة المجردة التي تشترط فيها الفورية والتسوية في الحال.
وبناءً عليه: يحق لوالدك شرعًا إعطاء أخيك الأكبر ما
يحتاجه للزواج، ولا يجب عليه إعطاؤك وأخاك الأوسط مثله في الوقت الحالي طالما لم
تتزوجا بعد، بشرط أن يتعهد الوالد بأن يعاملكما بالمثل ويقدم لكما التجهيز
والنفقات المماثلة عند زواجكما مستقبلاً.
وتفصيلاً:
أولاً: حكم التسوية في الهبة المحضة دون سبب أو حاجة:
جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية على أن
التسوية بين الأولاد في العطايا مستحبة، والتفاضل بينهم يكره ولا يبطل العقد. جاء
في المجموع شرح المهذب للإمام النووي 15/372: «أجمع المسلمون على أنه يستحب
للتسوية بين الأولاد في العطية... فإن فاضل بطل التفضيل عند طائفة، وقال الجمهور:
يصح مع الكراهة».
مذهب الحنابلة والظاهرية واختيار ابن تيمية: تجب التسوية بين الأولاد وتحرم المفاضلة إلا لسبب
شرعي، واستدلوا بحديث النعمان بن بشير في صحيح البخاري 2587 وصحيح مسلم 1623 أن
النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ». وقال الإمام ابن
قدامة في المغني 6/51: «يجب على الإنسان التسوية بين ولده في العطية... فإن خالف
وفاضل وجب عليه الارتجاع».
ثانيًا: جواز التفضيل والتمييز بناءً على الحاجة
والمناسبة كالزواج والعلاج:
هل يجب على الأب التسوية في كل وقت؟
للوالد تفضيل بعض أبنائه إن كان لهذا التفضيل سبب كما لو
كان أحد أبنائه كثير العيال ورزقه قليل أو كان مشتغلاً بطلب العلم، أو كان أحد
أبنائه ذا دين والآخر فاسقًا أو كان أحدهما مريضًا ففضله على أخوته، لمرضه، أو فضل
صاحب الفضل من أجل فضيلته فلا حرج عليه في ذلك وإلا فيكره له تفضيل أحد أبنائه دون
سبب.
جاء في كتاب المغني لابن قدامة: ولا خلاف بين أهل العلم
في استحباب التسوية، وكراهة التفضيل. قال إبراهيم: كانوا يستحبون أن يسووا بينهم
حتى في القبل، إذا ثبت هذا، فالتسوية المستحبة أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله
تعالى الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وبهذا قال عطاء، وشريح، وإسحاق، ومحمد
بن الحسن، قال شريح لرجل قسم ماله بين ولده: ارددهم إلى سهام الله تعالى وفرائضه.
شيخ الإسلام ابن تيمية: ذكر في مجموع الفتاوى 31/295:
«وله أن يخص بعض أولاده لسبب شرعي، مثل أن يكون محتاجًا عاجزًا عن الكسب... دون
الباقين، فتكون العطية على قدر الحاجة».
الشيخ ابن عثيمين: أوضح في الشرح الممتع على زاد
المستقنع 11/84: «تجهيز الولد للزواج من باب النفقة وليس من باب العطية والهبة،
فإذا تزوج أحد الأبناء وأعطاه والده ما يحتاجه للزواج لم يلزم الأب أن يعطي بقية
الأبناء ممن لم يتزوجوا شيئاً في الحال، بل إذا تزوجوا أعطاهم كما أعطى الأول».
وفي فتاوى الشيخ بن باز عليه رحمة الله: " لا يجوز
تفضيل بعض الأولاد على بعض بالعطايا كلهم ولده وكلهم يرجى بره فلا يجوز أن يخص
بعضهم بالعطية" ورجّح فيه أن يكون العطاء على حد الميراث للذكر مثل حظ
الأنثيين وهو خلاف قديم مشهور بين العلماء.
القواعد الفقهية الحاكمة في هبة
الأب لأحد أبنائه حال حياته:
التصرف على الرعية منوط بالمصلحة: تصرف الوالد في ماله نحو أبنائه يُبنى على تحقيق
مصلحتهم وسد كفايتهم بالعدل الشرعي.
الواجب في النفقات هو الكفاية لا التسوية:
النفقات كالزواج والعلاج تُقدّر بقدر حاجة كل ابن في
وقته المناسب، ولا يلزم فيها التساوي العددي بين من يحتاج ومن لا يحتاج.
الحاجة تُنزّل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة: تخصيص أحد الابناء بمال أو متاع من أجل إتمام
زواجه يُعدّ تخصيصًا لحاجة معتبرة شرعًا ولا يخل بالعدل الواجب. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: