الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
17 - رقم الاستشارة : 5931
26/09/2026
ما واجب الأقليات المسلمة تجاه قوانين حظر الرموز الدينية أو ممارسات العبادة في المؤسسات العامة، وكيف يوازن المسلم بين المصلحة والواجبات الشرعية؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تعيش
الأقليات المسلمة في كثير من الدول غير الإسلامية تحديات معاصرة جسيمة، لعل أبرزها
صدور قوانين وتشريعات تحظر بعض الرموز الدينية أو تقيد ممارسات العبادة في
المؤسسات العامة والمدارس وأماكن العمل. وتضع هذه النوازل المسلم بين محذورين: إما
التنازل عن شعائره وهويته، وإما الاصطدام بالأنظمة والقوانين الحاكمة. وحينئذٍ
تبرز الحاجة الماسة إلى بيان المنهج الوسطي المعتدل الذي يوازن بين الثوابت
العقدية والشرعية التي لا تقبل المساومة، وبين فقه التعامل مع الضروريات والحاجة،
مع استحضار البدائل الشرعية كالاستطاعة والهجرة حين تتعطل إقامة الدين.
اختصارًا:
الفرائض
والثوابت قطعية: الفرائض الشرعية والواجبات العينية والأصول الدينية
كالحجاب، والصلاة في أوقاتها، والالتزام بالهوية الإيمانية لا يمكن المساومة عليها
أو التنازل عنها اختيارًا، فهي حقوق لله تعالى لا تملكها الأنظمة الوضعية.
التعامل
مع قوانين الحظر والضرورة: من وُجهت إليه ضغوط قاهرة في بلد يمنعه
من إظهار شعائره أو فرض عليه نزع رموزه الدينية، ولم يستطع مغادرته، جاز له
التخفيف وفق ضابط "الضرورة تقدر بقدرها"، مع وجوب السعي لتغيير هذا
الواقع بالطرق المشروعة والسلمية المتاحة.
مشروعية
الهجرة عند العجز: إذا وصل الأمر بالمسلم إلى العجز التام عن
إقامة دينه وأداء فرائضه في بلد ما، ولم يجد مخرجًا، تصبح "الهجرة" في
حقه مطلبًا شرعيًّا وواجبًا لحفظ دينه، استنادًا إلى سعة أرض الله ومحكم آيات
التنزيل.
وتفصيلاً:
أولاً:
الدليل الشرعي وموقف القرآن الكريم من المستضعفين في الأرض
استند
العلماء في وجوب الهجرة عند تعذر إقامة الدين إلى الآيات المحكمات في سورة النساء،
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ
قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا
أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ
مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا
يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 97-98].
تفسير
الإمام ابن كثير: علّق على هذه الآية بقوله: "هذه الآية الكريمة
عامة في كل من مقيم بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وهو عاصٍ بمسيره
ذلك، مرتكب حرامًا بالإجماع".
واستنبط
الفقهاء أن الآية تدل على أن بقاء المسلم في مكان يُفتن فيه عن دينه ويُمنع من
إقامة فرائضه مع استطاعته الانتقال إلى مكان آخر يمارس فيه دينه بحرية، هو أمر
محرم شرعًا.
ثانياً:
آراء الفقهاء في أحكام ديار الكفر والإكراه على الدين
ذكر
الإمام السرخسي في "المبسوط" أن المسلم إذا كان في دارٍ لا يمكنه إظهار
دينه ولا إقامة أحكامه وكان مستطيعًا للخروج منها إلى دار الإسلام أو دار يأمن
فيها على دينه، فعليه الهجرة، لأن إقامة الفرائض شعيرة الدين الكبرى ولا يعذر
القادر بتركها.
نص
الإمام ابن حزم الأندلسي في "المحلى" على وجوب الهجرة على كل مسلم عجز
عن إظهار دينه، واعتبر البقاء في تلك الحال مع القدرة على الخروج معصية كبرى،
مستثنيًا العاجزين لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾.
ثالثًا:
آراء العلماء والمجامع الفقهية المعاصرة في فقه الأقليات
المجلس
الأوروبي للإفتاء والبحوث: أكد في قراراته المتعددة بشأن الأقليات
المسلمة أن الحجاب فريضة شرعية قطعية لا يجوز التنازل عنه بحجة القوانين الوضعية
المقيدة للحرية الدينية في المدارس أو المؤسسات العامة ما دامت البَدائل متاحة
كالبحث عن مدارس أهلية، أو أعمال بديلة، أو الهجرة إلى بلد آخر، وشدد على أن
"الفرائض لا تسقط إلا بالعجز التام والإكراه الملجئ".
العلامة
الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله: فصّل في فقه الأقليات، مبينًا أن
على المسلم الاجتهاد في حفظ هويته ودينه، واستنفاد كافة الوسائل القانونية
والدبلوماسية والاحتجاج السلمي لانتزاع حقه الديني، فإن مُنع تمامًا وظُلم في دينه
ونفسه، فالأرض واسعة وعليه أن ييمم وجهه شطر بلد تتوفر فيه حرية العبادة، لئلا
يذوب دينه.
الشيخ
د. وهبة الزحيلي رحمه الله: أشار في بحوثه الفقهية المعاصرة إلى أن
القوانين التي تصادم قطعي الشريعة وفرائضها كالصلاة والصيام والحجاب تعد قيودًا
تعسفية لا تجوز طاعة المخلوق فيها بمعصية الخالق، ويجب على المسلم الثبات وتقديم
الأولوية للدين على المصالح الدنيوية الضيقة.
القواعد
الفقهية الحاكمة في التعامل الشرعي مع القوانين المقيدة لحربة العبادة في بلاد
المهجر:
قاعدة
"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق": وهي قاعدة أصلية
متفق عليها، فإذا تعارضت قوانين المؤسسات العامة أو الدول مع أمر قطعي من الله
كفرض الحجاب أو أداء الصلاة، وجب تقديم أمر الله والامتناع عن طاعة التشريع البشري
المخالف للشرع.
قاعدة
"الضرورات تقدر بقدرها": فإذا تعرض المسلم لإكراه غير ملجئ
أو لضائقة معيشية ووظيفية مؤقتة بسبب التزامه برمزه الديني، ولم يتمكن من المغادرة
فورًا، جاز له التخفيف بالقدر الذي يدفع عنه الضرر الفاحش كالبحث عن عمل بديل أو
مؤسسة مرنة، مع بقاء الأصل على حرمة التنازل الكلي عن الفريضة.
قاعدة
"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب": وحيث إن إقامة
الدين والفرائض لا يمكن أن تتم في بيئة تطمس الهوية وتمنع العبادة، فإن
"الهجرة" والانتقال إلى أرض أخرى تُمكّن المسلم من أداء دينه تصبح واجبًا
شرعيًّا متعينًا عند تعذر البدائل.
قاعدة
"تحصيل المصالح وتفويت المفاسد": الموازنة بين
مصلحة البقاء في البلد المضيف لتحصيل الرزق أو الشهادة، وبين مفسدة ضياع الدين
وذوبان الهوية؛ حيث تقضي القواعد الأصولية بأن "حفظ الدين" مُقَدَّم قطعًا
على حفظ المال والوظيفة والمصلحة الدنيوية. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
كيف يوازن المسلم في المهجر بين الاندماج الإيجابي والحفاظ على الثوابت؟