الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 5241
05/07/2026
علمت منذ شهر في وظيفه ادارية ( خدمة عملاء) في مطعم يقدم للناس خدمة بيع اشتراكات شهريه لتحضير وجبات غذائية . بحيث الناس تدفع مبلغ اشتراك شهري (بحدود ٨٠ الى ١٢٠ دينار تقريبا) مقابل ان المطعم يوصل وجبات للعملاء المشتركين لمدة ٢٦ يوم في الشهر.
ولكن أحيانا يتصل بعض المشتركين ويطالبون بإلغاء الاشتراك بعد يومين أو بعد اسبوع . ولا يريدون إكمال الاشتراك بسبب سوء الأكل الذي يصل اليهم وعدم تقبلهم له. ويطالبون باسترجاع المبلغ المتبقي من الاشتراك.
وهنا تبدأ المشكلة، فيقوم المطعم بإبلاغهم بان سوف ينخصم مبلغ يزيد على نصف قيمة الاشتراك حتى ولو قام العميل بأخذ يوم أو يومين فقط من الاشتراك، بحجة ان ذلك الشرط مكتوب في ( ورقة الشروط و الأحكام الخاصة بالشركة) والتي ترسل للعميل قبل دفع المبلغ.
مثال: رجل اشترك معنا لمده ٢٦ يوم ودفع مبلغ ٨٩ دينار مقابل ان يقوم المطعم باحضار وجبات له كل يوم. ولكن الرجل اكل الوجبات لمدة يوم واحد فقط او يومين ولم يعجبه الاكل ، وطالب باسترجاع المبلغ المتبقي، ولكن موظف خدمة العملاء المطعم يبلغ العميل انه سوف يعيد له مبلغ ٤٠ دينار فقط ، وسوف ينخصم مبلغ ٤٩ دينار مقابل يوم او يومين فقط . بحجة ان هناك شروط وأحكام تم ارسالها للعميل قبل الاشتراك.
فهل يوجد إثم على الموظف الذي يقوم بهذه الوظيفة وهي أنه ينفذ تعليمات الشركة التي يعمل فيها و تلك التعليمات فيها ظلم للزبائن بأخذ مبالغ أكثر من المبالغ المستحقة، بحجة أن هناك شروطا وأحكاما أرسلت للعميل قبل قيامه بدفع المبلغ؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، والشريعة
الإسلامية الغراء كما جاءت بحماية المستهلك من الغبن والظلم، جاءت كذلك لحماية
الاستقرار الاقتصادي للمشاريع، وصيانة حقوق الشركات من الاضطراب والفسخ العشوائي
الذي يضر بسلاسل التوريد والتشغيل.
إن عقود الاشتراكات المعاصرة كاشتراك الوجبات مبنية على
دراسات جدوى، وتكاليف تشغيلية مسبقة، وتنسيق مع الموردين بناءً على أعداد
المشتركين. ولذلك، فإن الفقه الإسلامي يوازن بدقة بين "قدسية العقود
والالتزام بالشروط" وبين "تغير الأذواق البشرية في الطعام"، وضبط
حدود الانسحاب بما يضمن عدم تضرر الشركة تشغيليًّا، وعدم إجحاف العميل ماليًّا، مع
تبيان حدود مسؤولية الموظف الوسيط.
اختصارًا:
حق الشركة: الشروط والأحكام المعلنة مسبقًا والتي يوافق عليها العميل بكامل
إرادته تعتبر ملزمة شرعًا في الجملة، وللشركة الحق في تغطية مصاريفها الإدارية
والتشغيلية الثابتة التي تكلفتها بمجرد تفعيل الاشتراك (كالتعاقد مع الموردين
وسيارات التوصيل)، بشرط ألا يتضمن الخصم عقوبة مالية تزيد بكثير عن الضرر الفعلي
المتوقع.
موقف الموظف: بما أن دور موظف خدمة العملاء يقتصر على البيان،
والشرح، ونقل سياسات الشركة، ولا يملك سلطة القرار أو الاستحواذ على المال، فلا
إثم عليه إطلاقًا في أداء عمله، ويعتبر عمله وسيطًا إداريًّا مباحًا، بالإضافة الى
أنه ليس قاضيًا ليفصل في تنازع بين طرفين بعد النظر في البينة، فلا يمكنه الحكم
فقط بمجرد العاطفة.
حق العميل: للعميل الحق في الاستفسار وتجربة المنتج وسؤال العملاء الآخرين،
وإلزام الشركة بتوضيح مواصفات وجودة الطعام، ولا بد له أن يعرف أن اختلاف الأذواق
فطرة وسنة من سنن الله في خلقه، وعليه فإن رضي شروط التعاقد فليقبل وليتعاقد وإن
لم تكن مناسبة له فليرفض.
وعلى كل الأطراف أن يعلموا أن الحكم يتردد بين قضاء
وديانة، فليس كل حكم ديانة سنحصل عليه بالقضاء إن رفعنا الأمر للقاضي، وكذاك ليس
كل حكم بالبراءة أمام القاضي سيخلصنا ديانة أمام الله، ولكن الحلال بيّن والحرام
بيّن، أما الشركة فإن كان مقصدها الإضرار بالناس وأكل أموالهم بالباطل، فستعاقب
دنيا وآخرة، في الدنيا سوف تغلق أبوابها قريبًا بعدما يشيع بين الناس فسادها وضعف
كفاءتها، وفي الآخرة سيستوفي العملاء الذين أكلت أموالهم بغير حق حقوقهم كاملة غير
منقوصة والآخرة خير وأبقى.
أما موظف خدمة العملاء فلا حرج عليه طالما أنه لا يتعمد
الكذب ولا يقصر في وظيفته.
وتفصيلاً: فالحكم الشرعي يتحدد بناءً على تكييف
"سبب الإلغاء" وأثر الشروط المسبقة على الأطراف الثلاثة كالتالي:
من حيث طبيعة العقد واختلاف الأذواق: إذا كان الطعام سليمًا ومطابقًا للمواصفات الصحية
والغذائية المتفق عليها، ولكن العميل طلب إلغاء الاشتراك لمجرد أن "طعم الأكل
لم يعجبه" بسبب اختلاف الأذواق، فهذا لا يُعد "عيبًا شرعيًّا" يفسخ
العقد تلقائيًّا، العقد هنا ملزم، وإلغاؤه يُعتبر "إقالة" لا تصح إلا
برضا الطرفين، وحينئذٍ يحق للشركة وضع حد مالي للانسحاب كشرط جزائي لحماية نفسها
من الخسائر التشغيلية كشراء المواد الأولية شهريًّا، وتكلفة إعداد الطعام والتوظيف
وغيرها.
من حيث حجم الخصم نصف الاشتراك مقابل يومين: يكون هذا الخصم الكبير جائزًا ومشروعًا في حالة
واحدة بأن تكون هذه القيمة المقتطعة 49 دينارًا مثلاً تمثل التكلفة التأسيسية
الفعلية للاشتراك مثل رسوم فتح الملف، استشارة أخصائي التغذية، تكلفة التوصيل
المنفرد لأيام قليلة خارج الحسبة الإجمالية، وتأمين المواد لمدد مستقبلية بناءً
على أمره. أما إذا كانت مجرد عقوبة مالية محض لا تقابلها أي تكلفة تشغيلية أو ضرر
مالي لأصحاب المطعم، فهنا تجب مراجعة النسبة لتكون عادلة؛ لأن قوانين السوق والعرض
والطلب وإن كانت تكافئ أو تعاقب الشركة، إلا أن القضاء الشرعي يوجب العدل ابتداءً.
أحكام الأطراف الثلاثة:
الشركة: يحق
لها وضع شروط للانسحاب للحفاظ على استقرارها ومواجهة حجم الإلغاءات، ولكن يُندب
لها شرعًا المسامحة وتعديل بند الخصم ليتناسب مع الكلفة الفعلية للإعداد تطييبًا
لخواطر العملاء واستدامةً لسمعتها التجارية.
العميل: ملزم
بالشرط الذي وقّع عليه وأقر به ما دام الطعام سليمًا في ذاته؛ إذ ليس من حق العميل
تحميل الشركة خسائر تقلب ذوقه الشخصي بعد أن تم الطبخ والتجهيز له بناءً على طلبه
المسبق.
موظف خدمة العملاء: عملك جائز وصحيح، وأنت ملتزم بتطبيق سياسة الشركة التي وافق عليها
العميل بمحض رضاه، بشرط أن تشرح للعملاء بوضوح أن هذا الخصم هو لتغطية تكاليف
التجهيز والإعداد الإداري والتشغيلي الأولي للاشتراك وليس عقوبة عشوائية.
1. لزوم الوفاء بالشروط المسبقة لضمان استقرار الأعمال:
ذهب المحققون من أهل العلم، وعلى رأسهم فقهاء الحنابلة،
إلى توسيع نطاق الشروط المباحة في العقود ما دامت تحقق مصلحة لأحد الطرفين ولا
تحرم حلالاً، وذلك لحاجة التعاملات التجارية إلى الاستقرار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 29/ 346:
"الأصل في العقود والشروط الإباحة والجواز، فلا
يحرم منها إلا ما حرمه الشارع... ومصالح الناس وتجاراتهم لا تستقيم إلا بالوفاء
بشروطهم التي تعاقدوا عليها ما لم تخالف نصًّا".
وجاء في كشاف القناع للبهوتي 3/ 359:
"كل شرط سائغ في العقد شرطه أحدهما على الآخر
لمصلحة تخصه، وجب الوفاء به لقوله ﷺ: المسلمون على شروطهم".
2. اختلاف الأذواق وتأثيره في ثبوت خيار الفسخ:
فرّق الفقهاء بين "العيب المؤثر" الذي ينقص
القيمة أو يفوت به غرض أساسي، وبين "الصفات الذوقية" التي تختلف من شخص
لآخر؛ فما دام الشيء مصنعًا بطريقة قياسية معتادة، فلا حق للمشتري في الرد بمجرد
عدم الملاءمة النفسية أو الذوقية.
من الفقه الحنفي: جاء في المحيط البرهاني لابن مازه 4/
324 في فقه البيوع والإجارات:
"إذا كان الشيء على صفة المعتاد بين الناس وسطًا،
فليس للمشتري رده بدعوى أنه ليس على موافقته؛ لأن الأذواق لا تنضبط، والانضباط
يكون بالعرف الجاري والمواصفات الظاهرة".
من الفقه المالي المعاصر: يؤكد العلماء في عقود التوريد
الغذائي أن ذوق العميل ليس معيارًا لفسخ العقد دون تحمل التبعات؛ لأن المطعم قام
بإنفاق مالي وتشغيلي لتجهيز الوجبة، وتفويت المنفعة عليه يسبب له ضررًا كليًّا في
حجم أعماله وإلغاءاته.
3. مشروعية الشرط الجزائي لتعويض الأضرار التشغيلية
التأمين التجاري والتعاوني:
أجازت المجامع الفقهية وضع بنود مالية للانسحاب بشرط أن
تعكس حجم الضرر الفعلي أو التكلفة الإدارية المفترضة لتأسيس الخدمة.
جاء في قرار هيئة كبار العلماء بالسعودية رقم 25:
"الشرط الجزائي الذي يشترطه أحد المتعاقدين على
الآخر لتعويضه عن الضرر الذي يلحق به جراء عدم تنفيذ العقد أو التراجع عنه: هو شرط
صحيح معتبر شرعًا، ما لم يكن فيه غلو أو إجحاف خارج عن المعتاد، وتقدير ذلك يرجع
إلى كلفة الإعداد الفعلي وما فات من ربح معتبر".
القواعد الفقهية الحاكمة:
قاعدة: "المسلمون على شروطهم"
بما أن العميل أقر بورقة الشروط والأحكام واطلع عليها
قبل دفع المبلغ، فقد رضي بحدود الانسحاب المذكورة فيها، والرضا بالشرط يُلزم
العاقب بتحمل مقتضاه ما لم يتضمن محرمًا قطعيًّا.
قاعدة: "الضرر لا يُزال بالضرر"
العميل يريد إزالة ضرر عدم تقبله للطعام عن نفسه بفسخ
الاشتراك واسترداد ماله، لكن الفسخ المفاجئ يسبب ضررًا ماليًّا للمطعم الذي اشترى
مواد غذائية ووظف طهاة وسيارات توصيل بناءً على هذا الاشتراك الشهري. وحيث إن
"الضرر لا يزال بضرر مثله"، فلا يجوز للعميل إلحاق الخسارة بالشركة، بل
يتحمل كلفة تراجعه.
قاعدة: "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا"
في قطاع الاشتراكات الغذائية الرقمية، تعارف مجتمع
الأعمال على أن الأيام الأولى من الاشتراك تتحمل العبء الأكبر من المصاريف
الإدارية واللوجستية. هذا العُرف التجاري يُحكّم لتفسير سبب ارتفاع قيمة الخصم في
الأيام الأولى، وهو ما يجعل الشرط متسقًا مع طبيعة التجارة والعرض والطلب.
قاعدة: "الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه"
توقيع العميل ودفعه للمال بعد إرسال الشروط والأحكام له
يُعد موافقة صريحة منه على النظام المالي للشركة، وبالتالي يلزمه ما يتولد عن هذا
العقد من التزامات مالية في حال اختياره للانسحاب المبكر. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
وقّعت عقدًا به مخالفات شرعية دون علمي بها.. فهل عليّ إثم؟
تعاقد على إعلان يلزمه مدح السلعة دون بيان عيوبها.. فما الحكم؟
كيف تتصرف بعد التوقيع على عقد؟