الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
23 - رقم الاستشارة : 5517
05/08/2026
اشتريت سيارة بنظام التقسيط من متجر سيارات، واشترطوا عليّ في العقد أنه في حال تأخري عن سداد أي قسط شهري، تفرض عليّ "غرامة تأخير بنسبة 1% عن كل أسبوع" تذهب لصالح صندوق خيري تشرف عليه الوكالة؛ فهل فرض غرامة مالية على التأخير جائز إذا كانت تذهب لأعمال البر والخير؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، عقد البيع بالتقسيط من عقود البيع الجائزة شرعًا وبديل شرعي حين يعجز المشتري عن الدفع النقدي، وتنتقل فيه ملكية المبيع كالسيارة وغيرها إلى المشتري فور انعقاد العقد، وتستقر الأقساط المتبقية دينًا ثابتًا في ذمة المشتري يجب عليه أداؤه في أوقاته المحددة، وقد اتفقت كلمة علماء الأمة على حرمة الزيادة على الدين مقابل تأخير السداد، وعلى وجوب حماية عقود الديون من أشكال الربا الصريح والربا الخفي، واستيفاء الحقوق بالطرق الشرعية دون الخروج عن مقاصد الشريعة وأحكامها القطعية.
اختصارًا: المسألة فيها وجهان
الأول: أن اشتراط غرامة مالية بنسبة مئوية أو بمبلغ مقطوع عند التأخر في سداد الأقساط هو شرط باطل ومحرم شرعًا، ولا يجوز للشركة فرضه ولا للمشتري القبول به؛ لأنه صريح ربا الجاهلية المحرم بالقرآن والسنة وإجماع الأمة، ولا أثر إطلاقًا لكون هذه المبالغ تُصرف في صندوق خيري أو تُخصص لأعمال البر والخير؛ لأن علة التحريم قائمة في حقيقة العقد وهي "إيجاب زيادة مالية على الدين مقابل التأجيل"، ولأن الشريعة تحرّم أصل أخذ الربا بغض النظر عن الجهة التي تؤول إليها الأموال، ولأن القول بجواز ذلك يفتح باب التحايل على الربا فيجب سد الذرائع حماية للدين من التلاعب به
والثاني: رأي بعض المعاصرين ومنهم هيئة المحاسبة والمراجعة ايوفي أنه لو كانت الصيغة تشترط على المتخلف عن السداد، التبرع لجهة ثالثة غير الدائن جاز هذا الشرط، إذ لا تعود فوائد التأخير عن السداد الى الدائن.
ولكن في حالة البنوك ينبغي الحذر من ان تعود هذه الأموال المحصلة الى البنك بطريق الالتفاف، فمعظم البنوك والمؤسسات الكبرى لديها جمعيات خيرية تتبعها وتحت اشرافها، تراعي العاملين وابنائهم، وتستخدم قي الدعاية لهذه المؤسسات، وبالطبع حين لا ينفق عليها من عوائد رسوم التخلف عن السداد، سوف ينفق عليها من ارباح البنك، فاذا كانت هناك جهة خيرية بعيدة عن دعاية وتحكم البنوك والمؤسسات ومنفكة عنها تماما جاز حينها العمل بهذا الشرط وفق رأي واجتهاد هذا الفريق من العلماء المعاصربن
وتفصيلاً:
قال الإمام ابن قدامة المقدسي المتوفى: 620 هـ: «المغني»
الجزء 4، الصفحة 211: "وَكُلُّ دَيْنٍ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَزِيدَهُ فَهُوَ
رِبًا، لا خِلافَ فِيهِ".
وقال الإمام أبو بكر الجصاص المتوفى: 370هـ في «أحكام
القرآن» الجزء 2، الصفحة 184: "وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ هُوَ قَرْضٌ
مُؤَجَّلٌ بِشَرْطِ زِيَادَةٍ، فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ بَدَلاً مِنْ الأَجَلِ".
وأكده الإمام القرطبي المتوفى: 671هـ في «الجامع
لأحكام القرآن» الجزء 3، الصفحة 348: "أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ نَقْلاً عَنْ
نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الزِّيَادَةِ فِي
الدَّيْنِ رِبًا، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنِ اعْتِيَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ".
قرارات المجامع الفقهية والهيئات الشرعية المعاصرة في حصيلة
شرط ربوي تنفق في أعمال البر والخير
مجمع الفقه الإسلامي الدولي القرار رقم 53 - 6/6 بشأن البيع بالتقسيط: "ثالثًا: إذا تأخر
المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على
الدين بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرم".
مجمع الفقه الإسلامي الدولي القرار رقم 109 - 3/12 بشأن الشرط الجزائي: "إن الشرط الجزائي
عن التأخير في تسليم الدين لا يجوز شرعًا؛ لأنه ربا صريح".
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية
الفتوى رقم 19539: "اشتراط
زيادة في العقد عند التأخر في سداد القسط محرم شرعاً؛ لأنه من ربا الجاهلية الذي
نزل القرآن بتحريمه، وهو قولهم: إما أن تقضي وإما أن تربي".
المعايير الشرعية - هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية AAOIFI المعيار الشرعي رقم 3 - التقسيط: "لا يجوز اشتراط غرامة التأخير على المشتري إذا تأخر عن سداد الأقساط".
وقد افتت الهيئة ان عقد الدين اذا اشتمل على شرط بالزام المتخلف عن السداد التبرع لجهة ثالثة، جاز العقد وصح الشرط.
فتاوى كبار العلماء المعاصرين في حصيلة شرط ربوي تنفق في
أعمال البر والخير
الشيخ محمد بن صالح العثيمين المتوفى: 1421هـ:
"إذا شرط عليه أن يدفع زيادة إن تأخر عن الوفاء
فهذا شرط باطل، وهو ربا صريح، والتحريم متعلق بحقيقة العقد والزيادة المشروطة على
الدين، ولأن إيجاب المال على المدين بسبب التأخير هو عين ربا الجاهلية". المصدر:
«الشرح الممتع على زاد المستقنع» الجزء 8، الصفحة 231.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المتوفى: 1420هـ:
"الشرط المذكور وهو التزام المشتري بدفع مبلغ معين
عند التأخر عن السداد شرط باطل لا يجوز العمل به، وهو من ربا الجاهلية". المصدر: «مجموع فتاوى ابن باز» الجزء 19، الصفحة 287.
القواعد الفقهية الحاكمة في حصيلة شرط ربوي تنفق في
أعمال البر والخير:
قاعدة: «كل دين شرط فيه زيادة فهو ربا»
تقتضي أن مجرد اشتراط مال زائد على الثمن الثابت في
الذمة عند تأخر السداد هو عين الربا، بغض النظر عن مسمى الزيادة أو الجهة
المستفيدة منها.
قاعدة: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ
والمباني»
تسمية الغرامة "تبرعًا" أو "صندوقًا خيريًّا"
لا يغير من حقيقتها الشرعية؛ إذ الحقيقة هي غرامة مالية مُشترطة على تأخير الدين.
قاعدة: «سد الذرائع»
يوجب الشارع منع الوسائل التي تؤول إلى المحرم؛ وتجويز
فرض مبالغ على التأخير بحجة التصدق بها يفتح بابًا واسعًا للتحايل على أكل أموال
الناس بالربا واستغلال حاجة المعسرين تحت مظلة الجمعيات الخيرية.
قاعدة: «الرضا بالحرام لا يجعله حلالاً»
موافقة المشتري وتوقيعه على هذا الشرط في العقد لا تجيزه
شرعًا؛ لأن تحريم الربا حق خالص لله تعالى لا يملك الأفراد إسقاطه أو التنازل عنه. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
تحصيل الشرط الجزائي.. العدالة ميزان الشريعة
اشترط أن يدفع المشتري الأقساط كلها إذا تأخر عن السداد، فما الحكم؟