الإطعام من مال الأيتام

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. ماهر السوسي
  • القسم : المعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 897
  • رقم الاستشارة : 3333
18/11/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا امرأة استشهد زوجي وترك لي أطفالاً صغارًا قصرًا لم يبلغوا سن الرشد بعد، ولا مصدر دخل لنا سوى ما نتقاضاه من هيئة التأمين والمعاشات وما يتصدق به علينا بعض المحسنين، وأنا أسكن مع أطفالي في بيت أهلي.

وسؤالي هو: هل يجوز لي أن أُطعم أهلي مما أشتريه بمال أبنائي الأيتام؟ ولو تتكرمون عليّ ببيان كيفية التصرف في مال أبنائي الأيتام؟

الإجابة 18/11/2025

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

 

فإن اليتيم هو من فقد أباه ولم يبلغ سن الرشد بعد، ذكرًا كان أو أنثى، وهو غير قادر على التصرف في شؤون نفسه أو ماله لصغر سنه، من أجل ذلك فإن الشرع الحكيم قد جعل لهذا اليتيم وليًّا يقوم على تربيته، والتصرف في ماله نيابة عنه، ثم إن الله سبحانه وتعالى قد خص الأيتام في كتابه العزيز بآيات تضمنت أحكامًا خاصة بهم، وخصوصًا ما يتعلق بأموالهم، وكذلك فعلت سنة النبي ﷺ؛ ذلك أن اليتيم لا أب له يرعاه، فهو ضعيف فيطمع الناس في ماله.

 

توعد الشرع من يعتدي على مال اليتيم

 

ولأنك أيتها السائلة الكريمة أم لأطفال أيتام، وجب عليك أن تكوني على دراية بالأحكام المتعلقة بهم، حتى تستطيعي أن تديري شؤونهم بالطريقة التي تتوافق مع أحكام الشرع، وحتى لا تضيعي أولادك من ناحية، ولا تقعي في معصية الله تعالى من ناحية أخرى؛ ذلك أن الشرع قد توعد من يعتدي على مال اليتيم بأشد الوعيد، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] فهذه الآية الكريمة هي وعيد شديد لآكلي مال اليتيم.

 

مع العلم أن هذا الوعيد لا يتعلق بأكل أموال اليتامى فقط؛ بل هو يتعلق بكل اعتداء على هذا المال أو إتلاف له، ولكن الله تعالى قد عبّر عن كل صور الاعتداء على مال اليتيم بالأكل لأن الأكل هو أكثر صور الاعتداء، وعند غالب العلماء أن هذه الآية تدل على أن الاعتداء على مال اليتيم من الكبائر، وقد دلّت السنة أيضًا على ذلك، حيث روي عن النبي قوله: "اجتنبوا السبع الموبقات" وعدّ منها "أكل مال اليتيم"، والموبقات هي الذنوب المهلكات لأنها من الكبائر.

 

جزاء كافل اليتيم

 

وبالمقابل فإن الشرع قد جعل لكافل اليتيم ومربيه أجرًا عظيمًا، ودرجات عالية، ومنزلة رفيعة سامية، دل على ذلك قول النبي ﷺ: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى؛ فكافل اليتيم القائم على أمره بما يرضي الله –تعالى- إلى جانب سيدنا محمد ﷺ في الجنة، وجار له هناك، ولا أظن أن مسلمًا عاقلا يزهد في هذه المنزلة.

 

الأحكام الشرعية المتعلقة بإدارة مال الأيتام

 

وبناء على ذلك فإليك الأحكام الشرعية المتعلقة بإدارة مال الأيتام، وهي على النحو التالي:

 

1. لا يجوز التعامل مع مال اليتيم إلا بما يصلحه؛ وعلى ذلك لا يجوز إلحاق الضرر بمال اليتيم بأي شكل من الأشكال، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: 152]، ففي الآية توجيه لكل من تولى مال اليتيم أن يتعامل مع هذا المال بما فيه صلاحه ونماؤه، حتى يبلغ اليتيم سن الرشد عاقلا فيتولى التصرف في ماله بنفسه.

 

 ومن أمثلة صور الاعتداء على مال اليتيم ما يلي:

 

أ. الاستيلاء على مال اليتيم وحرمانه منه: حيث يقوم بعض من تولوا مال اليتيم بجحد هذا المال وإنكاره وحرمان اليتيم منه، وفي مثل هؤلاء نزل قول الله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.

 

ب. الإسراف في الإنفاق على اليتيم فوق حاجته: حيث يظن الكثير من النساء أن الإغداق على أبنائهن اليتامى في المأكل والملبس وغير ذلك بما يتجاوز الحد المتعارف عليه قد يكون تعويضًا لهم عن آبائهم، ومعلوم بداهة أن الشرع قد نهى عن الإسراف والتبذير بقوله تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25]، فإذا كان الإنسان قد منع من تبذير ماله فالمنع من تبذير مال اليتيم أشد وأقوى.

 

جـ. الصدقة من مال اليتيم: لا يجوز لمن يتولى مال اليتيم أن يتصدق منه بحال من الأحوال؛ ذلك أن الصدقة ليست واجبة؛ بل هي عبادة متعلقة باختيار صاحب المال وإرادته واليتيم لا اختيار له في التصرف في ماله حتى تزول عنه صفة اليتم ببلوغه سن الرشد.

 

د. الإهداء من مال اليتيم: لا يجوز لمتولي مال اليتيم أن يقوم بالإهداء منه كما تفعل بعض النساء الجاهلات بحكم الشرع؛ ذلك أن الهدية من مال اليتيم لا مصلحة فيها لا لليتيم ولا لماله، وقد ذكرنا من قبل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152)، والإهداء من مال اليتيم ليس من التي هي أحسن.

 

ه. إقراض مال اليتيم: من أخطر صور الاعتداء على مال اليتيم؛ ذلك أن كثيرًا من المقترضين إما أنهم لا يوفون بهذه القروض، أو أنهم يجحدونها بالمطلق، على اعتبار أن اليتيم لا علم له بهذا القرض؛ لأنه صغير لا يدرك، أو لأن الولي لا يخبره بهذا القرض، ولأن مال اليتيم ليس ملكًا لمن ولي عليه فإن هذا الولي قد يتوانى في مطالبة المقترض بالوفاء بالقرض فيضيع المال على اليتيم.

 

٢. ومن أحكام مال اليتيم أيضًا لا يسلم اليتيم ماله إلا إذا بلغ عاقلاً رشيدا: يقول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ بينت الآية الكريمة أن على ولي اليتيم ألا يدفع إليه ماله ليتصرف فيه بنفسه إلا بعد أن يمتحنه؛ ويتأكد أن هذا اليتيم قادر على أن يتصرف في ماله بما فيه صلاحه، وأنه قادر على المحافظة عليه وعدم تبديده، ويكون امتحان اليتيم عند بلوغه سن الرشد، وهو الذي عبّر عنه القرآن بقوله ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ أي السن التي يكون فيها قادرًا على النكاح، ولا يكون ذلك قبل بلوغ سن الرشد، فإن علم الولي أن اليتيم يستطيع أن يتصرف بالمال فيما يصلحه، أعطاه ماله، وإلا فإنه يبقي المال معه حتى يثبت رشد اليتيم وحسن تصرفه في ماله.

 

٣. انتهاء مرحلة اليتم: تنتهي مرحلة اليتم ببلوغ سن الرشد كما ذكرت سابقًا، فإذا بلغ عاقلاً راشدًا لا يسمى يتيمًا لقول النبي ﷺ: "لا يُتْم بعد البلوغ".

 

٤. أكل الولي من مال اليتيم: يجوز لولي اليتيم أن يأكل من طعامه إذا كان لا يجد طعامًا سواه ولا مال عنده يشتري به طعامًا، فيأكل من طعام اليتيم بلا إسراف أو تبذير، أما إن كان الولي غنيًّا واجدًا ما يأكله فلا يجوز له أن يأكل من مال اليتيم، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

 

٥. الإشهاد عند دفع مال اليتيم إليه: إذا بلغ اليتيم سن الرشد ودفع إليه الولي ماله، فإنه يُشهد على ذلك اثنين من الشهود، كي لا يدّعي اليتيم أن وليه قد جحد ماله وأنكره ولم يسلمه له، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.

 

٦. صفة اليتم لا توجب لصاحبها الزكاة: يظن كثير من الناس خطأ أن اليتيم يستحق الزكاة! وهذا غير صحيح؛ لأن اليتم ليس من مصارف الزكاة التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز لقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة :60]، فقد ذكرت الآية ثمانية مصارف للزكاة وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملين على الزكاة، ومن عليهم ديون لا يستطيعون الوفاء بها، والمؤلفة قلوبهم - أي ضعاف الإيمان – والعبيد, وفي سبيل الله, ومن انقطعت بهم السبل أثناء سفرهم، فعجزوا عن الرجوع إلى أوطانهم، ومن الواضح أن اليتيم لم يذكر ضمن هذه الأصناف؛ لأنه قد يكون غنيًّا صاحب مال، أما إن كان فقيرًا لا مال له، أو عليه دين، فإنه يأخذ من الزكاة؛ لأنه فقير أو مسكين أو مدين.

 

أيتها السائلة الكريمة، هذه هي أهم الأحكام التي طلبت أن نبيّنها لك في كيفية التصرف في مال الأيتام وإدارتها، وبقي علينا أن نجيب عن الشق الآخر من سؤالك وهو حكم إطعام أهلك من مال أبنائك الأيتام.

 

للإجابة على ذلك نقول: إنه قد تبين لك مما ذكرناه سابقًا أن ولي اليتيم لا يشاركه في طعامه إلا إذا كان فقيرًا لا يجد غير هذا الطعام، وقلنا أيضًا إنه لا يجوز الإهداء ولا الصدقة من مال اليتيم، وعلى ذلك لا يجوز إطعام أهلك من أكل أبنائك الأيتام إلا إذا كانوا لا يجدون ما يأكلونه، وكذلك إذا كنت تشاركين مع أبنائك في ثمن الطعام، فلك أن تطعمي أهلك بنية أن يكون ذلك من نصيبك في هذا الطعام، والله أعلم.

 

روابط ذات صلة:

تربية اليتيم.. خطة منهجية

النفقة على اليتيم.. بين ظاهر النصوص ومقاصد الشريعة

الرابط المختصر :