الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
9 - رقم الاستشارة : 4996
06/06/2026
أريد شراء 'صناديق عشوائية' من الإنترنت تحتوي على بضائع إلكترونية، حيث أدفع مبلغاً ثابتاً ولا أعرف ما بداخل الصندوق فقد يكون ثميناً أو رخيصاً، فما حكم هذا التعامل؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فمرحبًا
بكم أخي العزيز، إن الشريعة الإسلامية جاءت بحفظ أموال الناس، وضبط العقود
والمعاملات المالية بما يقيم العدل ويمنع النـزاع والخصومة، ويحقق الرضا والشفافية
بين المتعاقدين. وإليك بيان حكم شراء "الصناديق العشوائية" عبر
الإنترنت وفق التقسيم الذي طلبته:
والأصل
في العقود والمعاملات الحل والإباحة، لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ
الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]. إلا أن هذا الأصل مقيد بضوابط
شرعية صارمة لحماية مصالح المتعاقدين، ومن أهم هذه الضوابط خلوّ العقد من الغرر
والجهالة والمقامرة. وبما أن نازلة "الصناديق العشوائية" المنتشرة عبر
مواقع التجارة الإلكترونية تقوم على دفع مبلغ مالي محدد مقابل سلعة مجهولة تمامًا
وقت العقد، تتأرجح قيمتها بين الثمن البخس والمتاع الثمين، فإن هذا التعامل يدخل
في باب العقود الاحتمالية التي يكتنفها المجهول والمخاطرة، وهي معاملات أولاها
الفقه الإسلامي عناية بالغة لمنع أكل أموال الناس بالباطل.
اختصارًا: شراء
"الصناديق العشوائية" بالصورة المذكورة دفع مبلغ ثابت مقابل محتوى مجهول
تمامًا قد يساوي أكثر أو أقل من الثمن غير جائز شرعًا، وهو عقد باطل لا تترتب عليه
آثاره؛ وذلك لاشتماله على الغرر الفاحش والجهالة النكراء في عين المبيع وصفته
وقيمته، ولما يتضمنه من معنى المقامرة والميسر؛ إذ يدخل المشتري العقد وهو يدور
بين غنم كبير إن خرجت بضاعة ثمينة أو غرم كبير إن خرجت بضاعة عديمة الفائدة، وقد
نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر.
آراء
العلماء قديمًا وحديثًا:
لقد
اتفق علماء الأمة قديمًا وحديثًا، على تحريم البيوع التي تقوم على الجهالة المطلقة
بصفة المبيع أو عينه، ولها نظائر مباشرة في الفقه القديم:
آراء
العلماء قديمًا في نظائر البيوع العشوائية:
نهى
الفقهاء قديمًا عن بيوع كانت شائعة في الجاهلية تشابه "الصناديق
العشوائية" في علة التحريم وهي غياب المعرفة بالسلعة، ومنها: بيع الملامسة أن
يلمس ثوبًا مطويًا فيشتريه دون رؤيته، وبيع المنابذة أن يُنبذ إليه ثوب فيشتريه
بمجرد النبذ، وبيع الحصاة.
• مذهب جماهير الفقهاء المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية: اشترطوا رؤية المبيع أو وصفه وصفًا دقيقًا ينفي الجهالة لصحة البيع، وأبطلوا بيع
المجهول جملة وتفصيلاً.
جاء
في "صحيح مسلم" 3/ 1153: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ
الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ». وجاء في "المجموع شرح المهذب"
للنووي 9/ 258: «بيع الغرر أصل عظيم من كتاب البيوع، ويدخل تحته مسائل كثيرة غير
منحصرة... كبيع المجهول مطلقًا». وجاء في "المغني" لابن قدامة 4/ 194:
«شَرْطُ صِحَّةِ الْبَيْعِ؛ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا... فَإِنْ كَانَ
مَجْهُولًا لَمْ يَصِحَّ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ».
• مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن بيع المجهول جهالة
فاحشة كعدم معرفة جنس المبيع أو نوعه هو بيع فاسد يجب فسخه.
جاء
في "بدائع الصنائع" للكاساني 5/ 151: «ومنها أي شروط الصحة: أن يكون
المبيع معلومًا وثمنه معلومًا جهالة تنقطع بها المنازعة، فإن كان أحدهما مجهولاً
جهالة فاحشة تفضي إلى المنازعة، فسد البيع».
2. آراء العلماء والمجامع الفقهية حديثًا:
ألحق
العلماء المعاصرون "الصناديق العشوائية" وعقود "المفاجآت" عبر
الإنترنت بالبيوع المنهي عنها لوجود نفس العلة الغرر والمقامرة.
• قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون
الإسلامي: أكد المجمع في قراراته المتعلقة بالتجارة الإلكترونية والمسابقات التجاريّة أن كل
عقد يتردد فيه المرء بين الغنم والغرم دون علم بالمعقود عليه هو من الميسر المحرم.
• اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية: سُئلت اللجنة عن معاملات شبيهة دفع مبلغ للحصول على كوبون أو صندوق مجهول المحتوى،
فأفتت بالتحريم.
جاء
في "فتاوى اللجنة الدائمة" 13/ 174: «لا يجوز بيع المجهول ولا ما فيه
غرر؛ لأن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وهو داخل في الميسر الذي حرمه الله
ورسوله».
القواعد
الفقهية الحاكمة:
تخضع
هذه المعاملة الإلكترونية لعدد من القواعد الفقهية الكلية والفرعية التي تضبط عقود
المعاوضات، من أبرزها:
"الجهالة الفاحشة تفضي إلى النـزاع والفساد": عدم
معرفة المشتري إن كان الصندوق يحتوي على هاتف ذكي ثمين أو مجرد وصلات شحن رخيصة،
هي جهالة فاحشة في ذات المبيع وصفته، وهذا يُفضي بالضرورة إلى الندم والخصومة وأكل
المال بالباطل، ولذلك سد الشرع هذا الباب.
"كل
معاملة دارت بين الغنم والغرم فهي من الميسر": المشتري
هنا يدفع مالاً مخاطرة وهو لا يدري أيربح بضاعة توازي أضعاف ماله أم يخسر ماله في
بضاعة تافهة لا قيمة لها، وهذا هو عين القمار والميسر المحرم بنص القرآن الكريم.
"النهي يقتضي الفساد": ثبت النهي
الصريح من النبي ﷺ عن بيع الغرر، والنهي في العقود يقتضي بطلانها وفسادها، فلا يحل
للموقع بيعها، ولا يحل للمستهلك شراؤها. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
التسويق الشبكي.. خسارة في الدنيا وعقوبة في الآخرة