الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
63 - رقم الاستشارة : 4997
07/06/2026
خصمت الشركة من راتبي يوماً بسبب غيابي لعذر لم يقتنعوا به، فهل يجوز لي استخدام موارد الشركة (الإنترنت والطابعة) لأعمالي الخاصة حتى أسترد 'قيمة' الخصم؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فمرحبًا
بكم أخي العزيز، وأتفهم تمامًا شعورك بعدم الرضا نتيجة خصم هذا اليوم، خاصة إذا
كنت ترى أن عذرك كان مشروعًا ومستحقًا للقبول. ومع ذلك، فإن التعامل مع موارد
العمل في مثل هذه الحالات يخضع لأحكام وضوابط شرعية دقيقة تفصل بين الحق الشخصي
والأمانة الوظيفية.
وإن العلاقة بين الموظف وجهة العمل سواء
كانت شركة خاصة أو مؤسسة عامة هي علاقة تعاقدية محكومة بـ عقد الإجارة في الفقه
الإسلامي. ويلتزم بموجبها العامل بتقديم جهده ووقته وفق الشروط المتفق عليها، وفي
المقابل تلتزم الشركة بدفع الأجر وتوفير أدوات العمل. وإذا حدث نزاع أو تقصير من
أحد الطرفين، فإن الشريعة الإسلامية وضعت مسارات واضحة لاسترداد الحقوق دون التعدي
على الأمانات أو تجاوز حدود العقد المبرم.
اختصارًا: لا يجوز شرعًا
استخدام موارد الشركة كالإنترنت، والأوراق، والطابعة، والأجهزة في الأعمال الخاصة
بهدف استرداد قيمة اليوم المخصوم.
والسبب
في ذلك أن هذه الأدوات والموارد تُعد أمانة وضعت تحت يد الموظف لاستعمالها حصراً
في مصلحة العمل، كما أن هذه المسألة لا تنطبق عليها مسألة الظفر بالحق المشهورة
عند الفقهاء، ولأن الخصم تم بناءً على سلطة تقديرية لإدارة الشركة في تقييم العذر،
فالطريق الصحيح للمطالبة هو التظلم الإداري أو الطرق القانونية الرسمية، وليس
استهلاك موارد الشركة بغير إذن، كما أن فتح الباب للعاملين لاستيفاء حقوقهم
بأنفسهم دون رقابة يجعل منهم الخصم والحكم في آن، وهذا لا يستقيم في استيفاء
الحقوق.
آراء العلماء قديمًا وحديثًا
اختلف
العلماء قديمًا وحديثًا في مسألة عامة تُعرف بـ "مسألة الظفر"، وهي أن
يكون لك حق عند شخص يعجزك الوصول إليه، فهل يجوز أن تأخذ من ماله بقدر حقك دون
علمه؟ ولكنهم عند تطبيقها على الموظف وموارد العمل كادوا يتفقون على المنع لأسباب
محددة:
1. موقف الفقه الموروث قديمًا
ذهب
جمهور الفقهاء إلى تشديد الحرمة في خيانة الأمانة، وحذروا من أخذ الحق بطريق يتضمن
الإخلال بالعقود.
المذهب
الشافعي والمالكي والحنبلي: حتى عند من أجاز مسألة الظفر
بشروطها، اشترطوا ألا يكون المال المأخوذ منه أمانة عندك.
جاء
في مغني المحتاج للخطيب الشربيني الشافعي: شرط الظفر... ألا يكون المال وديعة ولا
مؤجرًا عند الظافر؛ لأن أخذ الحق مما اؤتمن عليه الشخص يُعد خيانة للأمانة.
النهي
عن المقابلة بالخيانة: استند العلماء إلى الحديث الشريف
الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ
ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» رواه أبو داود والترمذي.
وحيث
إن أدوات الشركة أمانة في يدك، فإن استغلالها بغير إذن الإدارة يُعد إخلالاً بهذه
الأمانة.
2. الفتاوى والاجتهادات المعاصرة حديثًا
اتفقت
دور الإفتاء المعاصرة على أن موارد العمل ملك للجهة ومخصصة للمصلحة العامة، ولا
يجوز للموظف قياسها على ماله الخاص أو اتخاذها وسيلة للمقاصة.
اللجنة
الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية: سُئلت
اللجنة عن استخدام أدوات المكتب والإنترنت للأغراض الشخصية، فأجابت: لا يجوز
استخدام ممتلكات الدولة أو الشركات من سيارات أو آلات أو أدوات مكتبية إلا في
مصلحة العمل التابعة له، إلا إذا سمحت الجهة بذلك.
دار
الإفتاء المصرية: أكدت في فتاواها أن أدوات العمل وأجهزته ملك
لصاحب العمل، ووضعها تحت يد الموظف هو من قبيل الأمانة، والاستخدام الشخصي لها دون
إذن صريح أو عرف مسامح فيه يُعد تعديًا على الملكية وغير جائز شرعًا.
سبب
منع المقاصة هنا: يرى العلماء المعاصرون أن الخصم الذي وقع عليك
صدر من جهة إدارية تمتلك سلطة التقدير حتى وإن أخطأت في تقدير عذرك، فالحق هنا
أصبح مُتنازعًا فيه وليس دينًا ثابتًا ومستقرًا وممتنعًا عن الأداء مطلقًا، وهو
شرط أساسي لتطبيق مسألة الظفر.
القواعد الفقهية الحاكمة
تتحكم
في هذه النازلة عدة قواعد فقهية تمنع الموظف من التصرف التلقائي في موارد الشركة، منها:
قاعدة "المسلمون على شروطهم": فالعقد المبرم بينك وبين الشركة يشترط
عليك المحافظة على ممتلكاتها واستخدامها في حدود الوظيفة فقط. والإخلال بهذا الشرط
يتنافى مع الوفاء بالعقود الذي أمر الله به في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}.
قاعدة "الضرر لا يزال بالضرر": حتى
لو افترضنا أن الشركة ألحقت بك ضررًا وهو الخصم غير العادل في نظرك، فلا يجوز لك
إزالة هذا الضرر أو تعويضه بإلحاق ضرر آخر بالشركة عبر استهلاك مواردها بغير حق.
قاعدة "المرجوح لا يقدم على الراجح": حفظ
الأمانة العام المستقر في ذمتك أدوات العمل واجب قطعي، بينما رغبتك في استرداد حقك
عبر هذه الطريقة هو أمر ظني وشبهة، والواجب القطعي لا يُترك للأمر الظني.
وختامًا: فالوسيلة
المشروعة لاسترداد حقك هي تقديم تظلم رسمي للإدارة، أو مراجعة المسؤولين لشرح
العذر مجددًا بطريقة تفصيلية. فإن لم يستجيبوا، فاحتسب الأجر عند الله تعالى، ولا
تجعل تصرفهم يدفعك إلى الوقوع في حرج شرعي يتعلق بأمانة العمل وموارده. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
ظلموه ماليًّا ووظيفيًّا.. يطالب بحقوقه أم يفوض أمره لله؟
الحقوق الفكرية.. التفريق بين الخبرة والمعلومة