الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقهية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
3 - رقم الاستشارة : 5995
30/09/2026
دخلتُ على جارتي، فوجدتُها جالسةً وهي تقوم بحفظ ومراجعة القرآن الكريم. وكانت تمسك المصحف الشريف بيدها اليمنى، وفي الوقت نفسه كانت تمسك بيدها اليسرى خرطوم الأرجيلة (الشيشة)، وتقوم بتدخينها وإخراج الدخان من فمها، بينما المصحف الشريف مفتوح أمامها وبين يديها، وتستمر في تلاوة القرآن أو مراجعته أثناء تدخين الأرجيلة. فما حكم هذا التصرف شرعًا؟ وهل يجوز الجمع بين تلاوة القرآن الكريم وتدخين الأرجيلة بهذه الصورة، مع وجود المصحف الشريف في يدها وأمامها؟ وهل يُعدّ ذلك من عدم تعظيم المصحف أو الإساءة إلى حرمته؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد
فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الفاضل، وإن القرآن الكريم
هو كلام الله الخالد، ومعجزته الباقية، وقد فرض الله سبحانه وتعالى على المسلمين
تعظيمه وتوقيره وإجلاله، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ
فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]. وإنّ التلبس بتلاوة القرآن
الكريم وحمل المصحف الشريف يستوجبان هيئةً شريفةً تتناسب مع جلال الكلام ومكانة
المصحف، وتتحقق فيها أعلى درجات الأدب والنظافة والخشوع. ومن هذا المنطلق، تناول
الفقهاء والعلماء مسألة الهيئات والأفعال التي تُقارن قراءة القرآن، وما يتصل بشرط
طهارة الفم، ونظافة المكان والبدن، وتنزيه كلام الله عن ألوان اللغو أو المحرمات
أو الأفعال المستقذرة.
اختصارا:
اختلف العلماء في
حكم التدخين قديماً عند نشأته وظهوره بين القول بالإباحة أو الكراهة بناءً على عدم
اتضاح أضراره الصحية وقتئذٍ، أما في العصر الحديث، فقد استقرّت الفتوى عند عامة
المجامع الفقهية وهيئات الإفتاء على تحريم التدخين بكافة أنواعه؛ لما ثبت فيه
طبياً من الضرر المحقق على النفس والصحة، وإتلاف المال.
وعلى القول
بتحريم التدخين فإن هذا التصرف يُعدّ جمعاً بين عبادة جليلة وهي قراءة القرآن وفعل
محرم، وهو مسلك ينافي الأدب الشرعي كلياً، وينقص من أجر القراءة، وفيه سوء أدب مع
كتاب الله تعالى.
أما على قول من
قال بإباحته أو كراهته (أو على الأقل اعتقاد المرأة لذلك) فإن الأمر وإن كان أهون
إثماً من تعمد الفعل المحرم، إلا أنه يبقى تصرفاً غير جائز وخارجاً عن الأدب
الواجب مع المصحف الشريف؛ لما فيه من ترك التعظيم المأمور به، وتلويث الفم
بالرائحة والدخان الذي يُستقذر، وإيذاء الملائكة الحافين بالمرء عند التلاوة.
هل يُعدّ عدم
تعظيم للمصحف؟: نعم، إن إخراج الدخان ومسك خرطوم الأرجيلة مع حمل المصحف الشريف في
وقت واحد يُعد منافياً لتعظيم شعائر الله ومنقصاً من توقير المصحف الشريف، فالواجب
الشرعي على هذه المرأة أن تفصل تماماً بين قراءة القرآن الكريم وبين تدخين
الأرجيلة، وأن تطهّر فمها وبدنها عند الإقبال على تلاوة كتاب الله.
وتفصيلا:
أولاً: حكم تدخين
التبغ بين القدامى والمعاصرين
القول بالإباحة
أو الكراهة قديماً عند بداية ظهوره:
ذهب بعض
الفقهاء عند ظهور التبغ في القرن العاشر والحادي عشر الهجري إلى القول بالإباحة
استصحاباً لأصل الأشياء، أو الكراهة لاشتداد رائحته، معتبرين إياه كالنوامي
النباتية التي لا يسكر كثيرها.
قال الشيخ علي
الأجهوري في رسالته "إرشاد الإخوان لإباحة شرب الدخان": «الأصل في
الأشياء النافعة الإباحة... ولم يثبت فيه إسكار ولا إضرار بيّن يسري لجميع الناس،
فالقول بإباحته هو الجاري على الأصول، مع كراهة رائحته لمن يتأذى منها».
القول بالتحريم
وهو المعتمد قديماً عند المحققين، والمستقر عليه حديثاً:
قال الإمام
البهوتي الحنبلي ت: 1051هـ في "كشاف القناع عن متن الإقناع" 6/ 189:
«ويحرم شرب
الدخان، قال ابن قاضي شهبة: لما فيه من الضرر المالي والبدني... ولأنه يشتمل على
رائحة كريهة تتأذى بها الملائكة والآدميون».
وجاء في فتوى
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية الفتوى رقم
1615:
«التدخين بجميع
أنواعه من الأرجيلة والشيشة والسيجارة حرام، لثبوت ضرره البالغ على البدن والمال،
ولعموم قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، وقرار
العلماء معتمد على تقارير الأطباء التي أثبتت الضرر المحقق».
ثانياً: حكم
مقارنة التدخين لقراءة القرآن وحمل المصحف وآداب التلاوة
وجوب تنظيف
الفم وتنزيهه لأن الفم طريق القرآن: قال الإمام
النووي ت: 676هـ في كتابه "التبيان في آداب حملة القرآن" «وينبغي إذا
أراد القراءة أن ينظف فاه بالسواك أو غيره... لأن الفم طريق القرآن، فيستحب تنظيفه
وتطيبه... ويكره أن يقرأ وفمه متغيّر الرائحة بنحو ثوم أو بصل أو غيرهما مما له
رائحة كريهة».
تعظيم المصحف
الشريف واستقذار إدخال الروائح الكريهة عليه:
قال الإمام
القرطبي: في "التذكار في أفضل
أذكار": «ومن حرمة القرآن: ألا يمسه إلا طاهر، وأن ينظف فاه بالسواك، وألا
يتثاءب وهو يقرأ، فإذا غلبه التثاؤب أمسك عن القراءة، لأن القارئ مناجٍ لربه، ومن
حرمته ألا يُخلط بقراءته كلام لغو ولا فعل يُستقذر».
النهي عن
الملازمة بين الطاعة والمعصية أو الهيئات الخسيسة:
أشار الشيخ
محمد بن صالح العثيمين ت: 1421هـ في "فتاوى نور على الدرب" عند سؤاله عن
قراءة القرآن في المكان الذي يُدخن فيه أو أثناء ملابسة المكروهات والمحرمات: «تلاوة
القرآن الكريم من أعظم العبادات، ومن الأدب الواجب مع الله تعالى أن يكون القارئ
على هيئة من الخشوع والنظافة والطهارة، والتدخين محرّم، فإن جمع القارئ بين تلاوة
كلام الله وبين التلبس بهذا الفعل المحرّم أو المستقذر، فقد أساء الأدب مع كلام رب
العالمين، وتضمن تصرفه نوعاً من الإهانة أو عدم التعظيم لما عظمه الله، والواجب
إفراد تلاوة القرآن بالتنزيه والتعظيم والبعد عن الشواغل والمحرمات».
القواعد
الفقهية الحاكمة:
قاعدة:
"تعظيم شعائر الله واجب، ووسائل التعظيم لها حكم المقاصد"
مستندها قوله
تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى
الْقُلُوبِ}. والمصحف الشريف من أعظم الشعائر، فيجب اقترانه بالتعظيم حساً ومعنى،
وإدخال الدخان عليه وتلويث الفم واليدين به أثناء حمله ينقض هذا التعظيم.
قاعدة:
"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"
صيانة المصحف
الشريف عن الهيئات التي تُستبشع أو تُستقذر، ودرء مفسدة الامتهان أو قلة الأدب مع
كلام الله، مقدَّمٌ على مصلحة استرواح النفس أو استمرار مراجعة الحافظة أثناء
تعاطي شهواتها.
قاعدة:
"الخروج من الخلاف مستحب"
حتى لو كانت
هذه المرأة تقتنع أو تقلّد من يقول بإباحة التبغ أو كراهته، فإن ترك التلبس به
أثناء قراءة القرآن وحمل المصحف واجبٌ أو آكدُ استحباباً؛ خروجاً من خلاف من قال
بتحريمه، وتعظيماً لجلال كلام الله تعالى وتنزيهاً له عن المكتسبات التي تُستكره
روائحها.
قاعدة:
"النهي عن إيذاء الملائكة والآدميين في مواطن العبادة"
للحديث الصحيح:
«فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» رواه
مسلم. والرائحة الصادرة من الأرجيلة والدخان المتصاعد يحصل به الإيذاء المنافي
لحضور الملائكة عند تنزل الرحمات الإلهية حال تلاوة القرآن.
والله تعالى أعلى وأعلم