الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
36 - رقم الاستشارة : 5597
15/08/2026
هل يجوز للمسلم أن يوصي أن يدفن في مسقط رأسه إن مات مغتربا طلبا للأجر والثواب من أهله الذين يزورون قبره ويدعون له وهل يجب أن تنفذ هذه الوصية ام لا ؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، فإن الموت في
الغربة والابتعاد عن الأهل والوطن من الابتلاءات التي قد يتعرض لها المسلم، وكثيرًا
ما تشتد رغبة المغترب في أن يدفن في مسقط رأسه وبين أهله ليرجو دعاءهم وزيارتهم له
بعد موته، فيُوصِي بنقل جثمانه بعد وفاته.
ولما كانت أحكام الشريعة الإسلامية في الجنائز مبنية على
التيسير وحفظ كرامة الميت، والإسراع بتجهيزه ودفنه في المقابر المجاورة لمكان
وفاته، فقد تناول الفقهاء هذه المسألة بشيء من التفصيل لبيان مدى لزوم تنفيذ مثل
هذه الوصية، والتمييز بين الحالات التي يُشرع فيها التنفيذ والحالات التي يُمنع
فيها أو لا تجب، مع بيان الفضل الشرعي الذي أعده الله تعالى لمن وافته المنية وهو
مغترب عن أرضه.
اختصارًا: الأقرب
للصواب والأفضل أن يوصي المغترب أن يدفن في موضع غربته، طمعًا في تحصيل وعد الله
الأكرم بأن يُقْطِعَهُ الله من الجنة من مسقط رأسه إلى موطن وفاته، وأما دعاء أهله
فيصله إن كان مدفونًا بينهم أو مدفونًا بعيدا عنهم، وقد جرت العادة ـ ولعله من
تقسيم الله العدل ـ أن يُذكر الغريب بلا قبر يزار أكثر مما يذكر القريب معروف
القبر، كانت لي عمة رحمها الله مات ابنها في حرب خارج الوطن ولم يعد جثمانه، فكانت
إلى أن ماتت لا تفتأ تذكره وتذكِّر الناس به، ورأيت كثيرات ممن مات أبناؤهن بين
أيديهن لا يكدن يذكرنهم إلا لمامًا، وعلى أية حال فدعاء الخلق من الرزق المقسوم
سوف ينالك منه نصيبك سواء كان لك قبر يزار أم لم يكن.
هذا غير ما يستدعيه نقل جثمانه من بلد إلى بلد ـ حسب
النظم المرعية في كل بلد ـ من تشريح الجثمان وتحنيطه، ومؤونة سفره وفيه من انتهاك
حرمة الميت ما لا يخفى، ومن المشقة على الحي مما لا نفع فيه في دنيا ولا آخرة.
ولا ينبغي تأخير الدفن حتى ينقل لمكان بعيد إلا إذا كانت
هناك مصلحة، ومن المصلحة نقله من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام.
ولا يجب شرعًا على الورثة أو الأولياء تنفيذ وصية الميت
بنقل جثمانه من بلد وفاته إلى مسقط رأسه، إذا كان فيها مشقة شديدة أو تكاليف لا
يقدرون على تحملها، بل يُشرع ويُستحب دفنه في مقابر المسلمين في البلد الذي توفي
فيه، مراعاةً للسنة النبوية في الإسراع بالجنازة وحفظًا لكرامته، واستفادةً من
الأجر العظيم الموعود به لمن مات غريبًا. ومع ذلك، يجوز تنفيذ الوصية ونقله إذا
توفرت ضوابطها الشرعية من ثلث تركته، إلا أن يصدق الورثة بما يزيد عن الثلث.
وتفصيلاً:
السنة تعجيل الصلاة والدفن لما روى البخاري ومسلم أن
النبي ﷺ قال: أسرعوا
بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها عليه، وإن يكن سوى ذلك فشر تضعونه عن
رقابكم.
وقال ﷺ: إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره. قال الحافظ ابن حجر في
فتح الباري: أخرجه الطبراني بإسناد حسن. وقال ابن حجر في شرحه للحديث الأول: وفيه
استحباب المبادرة إلى دفن الميت لكن بعد أن يتحقق أنه مات. اهـ.
وقد استحب أهل العلم الدفن بجوار الصالحين، والمواضع
الفاضلة، ومن أدلة ذلك ما في حديث الصحيحين مرفوعا: أرسل ملك الموت إلى موسى فلما
جاءه صكه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت فرد الله
إليه عينه، وقال ارجع إليه وقل له: يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة
سنة قال: أي رب! ثم ماذا؟ قال: ثم الموت قال: فالآن فسأل الله أن يدنيه من الأرض
المقدسة رمية بحجر، فلو كنت ثَمَّ (أي هناك) لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت
الكثيب الأحمر.
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: وأما سؤاله الإدناء من
الأرض المقدسة فلشرفها وفضيلة من فيها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم. قال بعض
العلماء: وإنما سأل الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس لأنه خاف أن يكون قبره مشهورًا
عندهم فيفتتن به الناس. وفي هذا استحباب الدفن في المواضع الفاضلة والمواطن
المباركة والقرب من مدافن الصالحين. والله أعلم. اهـ
الحالة التي يجب فيها نقل الميت بوصية أو بغير وصية:
إذا توفي المسلم في بلد كافر أو بلد لا يوجد فيه مقابر
للمسلمين يُدفن فيها، أو كانت قبور المسلمين فيه تُنتهك وتُهدم؛ فهنا يجب نقله إلى
أقرب بلد فيه مقابر للمسلمين أو إلى مسقط رأسه حمايةً لكرامته وحرمته، فحرمة
أمواتنا كحرمة أحيائنا.
الحالة التي يجوز فيها تنفيذ الوصية دون وجوب:
يجوز للأولياء تنفيذ وصيته ونقله إلى مسقط رأسه بشرط
تحقق غرض صحيح كأن يكون قريبًا من أهله ليتيسر لهم زيارته والدعاء له، بشرط التزام
الضوابط التالية:
أولاً: السلامة من تغير الجثمان أو تحلله أو انتهاك
حرمته خلال فترة حفظه ونقله.
ثانيًا: ألا يؤدي ذلك إلى تأخير شديد ينافي السنة
النبوية في التعجيل بالدفن.
ثالثًا: ألا يترتب على النقل تكاليف مالية باهظة تُجحف
بحقوق الورثة أو تُستهلك بها التركة حيث تُخصم التكاليف من ثلث التركة إن أوصى
بها، أو بتبرع وطيب نفس من الورثة.
الحالة التي يحرم أو يكره فيها تنفيذ الوصية بنقل الميت
إلى وطنه:
يحرم النقل إذا كان يترتب عليه تعفن الجثة، أو انتهاك
حرمة الميت بالتقطيع أو الإهانة أثناء إجراءات الشحن والنقل، أو إذا كان السفر
بالجثمان يستغرق أيامًا طويلة تُعرضه للتغير.
ويكره إذا كان النقل يتطلب أموالاً طائلة تُهدر التركة
بغير حاجة قاهرة مع وجود مقابر للمسلمين مهيأة وصالحة في بلد وفاته.
أفضلية من مات مغتربًا في النصوص الشرعية:
بشر النبي ﷺ من مات في غير مولده بأجر مضاعف وسعة في الجنة، فقد روى الإمام النسائي
وابن ماجه والإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: مات رجل
بالمدينة ممن ولدوا بها، فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم قال: «يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ!»،
قالوا: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ
مَوْلِدِهِ، قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي
الْجَنَّةِ». حديث حسن، أخرجه النسائي برقم 1832، وابن ماجه برقم 1581.
معنى الحديث أن المسلم إذا توفي في أرض غير التي ولد
فيها كالغريب والمغترب، يُفسح له في الجنة وتُقاس له مسافة بين مكان ولادته ومكان
وفاته زيادة في نعيمه وتكريمًا لغربته، وفي الحديث نص على الأثر وليس على مجرد
الاغتراب، فمن ترك أثرًا ومنفعة دينية أو دنيوية في محل اغترابه فقد استحق هذه
الكرامة.
آراء المتقدمين من الفقهاء في نقل الميت إلى وطنه:
الجمهور على استحباب الدفن في أقرب مكان تتحقق به كرامة
الميت، عند الشافعية يُكره نقل الميت قبل الدفن، والأصل دفنه في بلد وفاته تعجيلاً
بالدف، وعند الحنابلة لا يُنقل الميت إلا لغرض صحيح، ولا تجب الوصية بالنقل إذا لم
يكن هناك مسوغ قاهر، وأجاز المالكية النقل بشروط شديدة، منها عدم انتهاك حرمته
وألا يتغير واستدلوا بموقف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما توفي أخوها عبد
الرحمن بن أبي بكر بالحبشة فنُقل إلى مكة، فقالت: «لو حضرتُك ما دُفِنْت إلا حيث
مت» رواه الترمذي، مما يدل على أن الأصل الدفن في مكان الموت.
قال الإمام النووي في المجموع شرح المهذب 5/272: «الأصح
عند أصحابنا أن نقل الميت قبل الدفن إلى بلد آخر مكروه، إلا أن يكون بالقرب من مكة
أو المدينة أو بيت المقدس، أو إلى مقبرة أهله لغرض راجح، والصحيح الإسراع بالدفن
في مكان وفاته.
وقال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني 2/398:
«فأما غير الشهداء فلا يُنقل الميت من بلده إلى بلد آخر إلا لغرض صحيح... ولأن ذلك
أخف لمؤنته وأسلم له من التغير، فأما إن كان فيه غرض صحيح جاز».
وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/424: «جاز نقل
الميت قبل الدفن وبعده من مكان إلى آخر بشرط ألا ينفجر أو يتغير أو يتعفن، وألا
تُنتهك حرمته، وأن يكون لمصلحة، كأن يُخاف عليه أن يأكله البحر، أو يُدفن بين أهله
أو لرجاء بركة المكان».
القواعد الفقهية الحاكمة في تنفيذ وصية نقل الميت إلى
وطنه:
قاعدة: «إكرام الميت دفنه» مع قاعدة: «الأمر بالإسراع
بالجنازة»
يقتضي الشرع تعجيل التجهيز والدفن لحفظ كرامة الميت،
وتأخير الدفن لأيام من أجل إجراءات النقل الطويلة يُخالف السنة المشروعة في
الإسراع بالجنائز.
قاعدة: «الضرر يُزال»
إذا كان في نقل الجثمان تعريض له للتغير والفساد، أو
استنزاف لأموال التركة والورثة بمبالغ باهظة في الشحن، فإن دفع هذا الضرر يُقدّم
على تحقيق رغبة الموصي.
قاعدة: «لا وصية في معصية ولا فيما فيه مشقة وحرج»
الوصية تُنفّذ إذا كانت في حدود المعروف والمشروع، فإذا
تضمنت مخالفة للسنّة أو إرهاقًا للورثة بغير موجِب شرعي، سقط لزوم تنفيذها وأصبحت
غير واجبة.
قاعدة: «تصرف الولي على الميت منوط بالمصلحة»
قرار الأولياء بنقل الميت أو دفنه في بلد وفاته مرهون
بتحقيق المصلحة الشرعية للميت صيانة جثته وتوفير أجر الغربة وللورثة عدم التكلف
والتعسف المالي. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
تُوفي غريبًا منذ شهر.. فهل نصلي عليه صلاة الغائب في موطنه؟