حكم الدعاء لفلسطين وغزة وذكر الخاص بعد العام

Consultation Image

الإستشارة 10/01/2026

اعترض أحد المصلين على الإمام الذي يدعو لفلسطين ثم لغزة، وقال أليست غزة جزء من فلسطين فلماذا هذا التكرار ؟ فهل اعتراضه جائز وما حكم ذلك شرعا؟

الإجابة 10/01/2026

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فهذا الإمام الذي دعا لأهل فلسطين أولا ثم أهل غزة، أو دعا لأهل غزة ثم أهل فلسطين على صواب، واعتراض المأموم لا وجه له من الصحة، فقد ذكر القرآن الكريم والسنة المطهرة الخاص بعد العام أو قبله للاعتناء به أو أهميته، فقال الله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، فالصلاة الوسطى من الصلوات الخمس، وقال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: 4]، والروح من الملائكة، وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 98]، وجبريل من الملائكة.

 

ومن السنة المطهرة الدعاء للميت الذي رواه أبو هريرة – رضي الله عنه - وغيره عن النبي أنه صلى على جِنَازَةٍ، فقال: (اللهم اغفر لِحَيِّنَا ومَيِّتِنَا، وصغيرنا وكبيرنا، وذَكرنا وأُنثانا، وشَاهِدِنَا وغَائِبِنَا، اللهم مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ على الإسلامِ، ومَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفِّهِ على الإيمانِ، اللهم لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ)، وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

 

- أمثلة من القرآن الكريم على ذكر العام بعد الخاص أو العكس والغرض منها:

 

وهذا الأسلوب يُستخدم لفوائد بلاغية أهمها:

 

1- التعميم بعد التخصيص: ليشمل الحكم ما لم يُذكر من أفراد العام، ويؤكد على أهمية الخاص المذكور أولاً.

 

2- إدخال الخاص في العام ثانيةً: لبيان أن له فضلاً وميزة تستدعي ذكره مرتين: مرة بالتخصيص، ومرة بالاندراج في العموم.

 

والأمثلة من القرآن الكريم كثيرة نذكر منها:

 

أولاً: يقول الله تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (نوح: 28)، وهنا نوح عليه السلام بدأ بالدعاء لنفسه "لي"، ثم لوالديه، ثم لمن دخل بيته مؤمنًا. هذه كلها فئات خاصة، ثم عمّم الدعاء ليشمل "وللمؤمنين والمؤمنات" كافة، في كل زمان ومكان، والفائدة: هنا إظهار للاهتمام بالأقرب فالأقرب، ثم شمول الأمة كلها بالدعاء، وهذا من كمال النصح والشفقة.

 

ثانيًا: يقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: 238).، فهنا ذكر العام وهو الأمر بالمحافظة على "الصلوات" جميعها، ثم خصّ بالذكر "والصلاة الوسطى" (وهي صلاة العصر على الراجح)، للتنبيه على فضلها ومكانتها العظيمة، والحث على العناية بها بشكل أخص، فكأنها ذُكرت مرتين، مرة في عموم الصلوات، ومرة بالتخصيص.

 

ثالثًا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: 52)، والخاص هنا هو خشية الله، والعام: تقوى الله (ويتقه)، والفائدة: التقوى أعم من الخشية، فالخشية تتعلق بالمعرفة والعلم بعظمة الله، والتقوى تشمل فعل الأوامر واجتناب النواهي. فذكر العام بعد الخاص هنا للتأكيد على شمول كل جوانب الطاعة.

 

رابعًا: يقول الله تعالى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 98)، فالعام: ذكر "ملائكته" وهذا يشمل جميع الملائكة، ومنهم جبريل وميكال عليهما السلام، والخاص جبريل وميكال، والغرض هو تشريف وتكريم لهذين الملكين العظيمين، والرد على اليهود الذين زعموا عداوتهم لجبريل، فبيّن الله أن عداوة واحد من الملائكة هي عداوة لله ولجميع الملائكة والرسل.

 

خامسًا: يقول الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: 4)، فالعام: "الملائكة" وهو لفظ يشمل كل الملائكة ومنهم جبريل عليه السلام، والخاص: "والروح" وهو جبريل عليه السلام على الصحيح، والغرض هو تعظيم شأن جبريل عليه السلام ومكانته، والتنويه بفضل نزوله في تلك الليلة المباركة.

 

سادسا: يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (الأحزاب: 7)، فالعام: "النبيين" وهو لفظ يشمل جميع الأنبياء، والخاص نبينا محمدًا ﷺ والغرض هو بيان فضل ومكانة هؤلاء الخمسة (أولو العزم) على سائر الأنبياء، وتقديم ذكر نبينا محمد ﷺ تشريفًا له.

 

- أمثلة من السنة النبوية المطهرة:

 

1- يقول النبي ﷺ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ" (متفق عليه)، فالعام: الشهادة بأن "محمداً عبده ورسوله" تشمل الإيمان بجميع الرسل إجمالاً، والخاص: الشهادة لعيسى عليه السلام بصفاته الحقيقية: "عبد الله ورسوله..."، والغرض التأكيد على العقيدة الصحيحة في عيسى عليه السلام، والرد على النصارى الذين غلوا فيه فجعلوه إلهًا أو ابنًا لله، والرد على اليهود الذين كفروا به. فكان تخصيصه بالذكر مهمًّا لتصحيح المعتقدات.

 

2- "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا..." هذا مثال على ذكر العام بأجزائه المتضادة حي وميت، شاهد وغائب... ليشمل الجميع. ثم يتبعه الدعاء الخاص للميت الحاضر: "اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده".

 

هنا الجمع بين العموم للأمة، والخصوص للميت الذي يُصلى عليه، وهذا من كمال الدعاء.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

بين ألمي الشخصي وآلام غزة.. أين أضع دعائي؟

واجبات عملية تجاه أهل غزة

الواجب العيني والواجب الكفائي في نصرة أهل غزة

الرابط المختصر :