الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
14 - رقم الاستشارة : 4266
08/03/2026
هل يجوز للمرأة الحافظة للقرآن أن تؤمَّ زوجها وأبناءها في صلاة الفرض أو القيام؟ وإذا جاز لها أن تؤمّ النساء، فأين يكون موضع وقوفها؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فهذه المسألة من المسائل الفقهية الدقيقة التي فصل فيها أئمة المذاهب، وإجمالاً: بما أنكِ حافظة لكتاب الله، فهذا فضل عظيم، ويمكنكِ استثماره في إمامة بناتكِ أو النساء من أقاربكِ، مع الوقوف في وسطهن. أما مع الزوج والأبناء البالغين، فالسنة أن يؤمهم الزوج أو أحد الأبناء، ويمكنكِ مراجعة الحفظ معهم أو القراءة من المصحف معهم لتشجيعهم.
وبالتفصيل إليكم البيان:
أولاً: إمامة المرأة للرجل (الزوج والأبناء البالغين)
اتفق عامة الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على أن إمامة المرأة للرجل لا تصح في صلاة الفرض ولا في النافلة (كالقيام)، حتى وإن كانت هي الأقرأ أو الأحفظ للقرآن.
جاء في كتاب "المجموع شرح المهذب" للإمام النووي (شافعي):
"اتفق أصحابنا على أنه لا تجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة... وسواء في منع إمامة المرأة للرجال صلاة الفرض والتراويح وسائر النوافل، هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف رحمهم الله، وحكاه البيهقي عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة التابعين".
وفي كتاب "المغني" لابن قدامة (حنبلي): "أما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال، في فرض ولا نافلة، في قول عامة الفقهاء".
العلة في المنع: استدلوا بحديث النبي ﷺ: "لَن يُفلِحَ قَومٌ وَلَّوا أَمرَهُمُ امرَأَةً"، ولأن الأصل في صلاة الجماعة أن يتقدم الرجال، وتكون صفوف النساء في الخلف، فإمامة المرأة للرجل تقتضي تقدمها عليه أو محاذاته، وهذا خلاف الهيئة الشرعية للصلاة.
ثانيًا: إمامة المرأة للنساء
هذه المسألة فيها سعة، والراجح عند جمهور الفقهاء (الشافعية والحنابلة) هو استحباب وجواز إمامة المرأة للنساء، بينما كرهها الحنفية ومنعها المالكية.
عند الشافعية والحنابلة: تجوز وتُستحب، لفعل عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، فقد روى الشافعي في "الأم": "أن عائشة رضي الله عنها أمَّت نساءً في الفريضة في المغرب، وقامت وسطهن وجهرت بالقراءة".
عند الحنفية: تجوز مع الكراهة (كراهة تحريمية)، كما في "بدائع الصنائع" للكاساني.
عند المالكية: لا تصح إمامة المرأة مطلقًا، لا لرجال ولا لنساء، فالمعتمد والمشهور في المذهب هو عدم صحة إمامة المرأة مطلقًا، سواء كانت الصلاة فرضًا أم نفلاً (كالقيام)، وسواء كان المأمومون رجالاً أم نساءً.
جاء في كتاب "المدونة" للإمام سحنون (وهو أصل من أصول المذهب): "قال ابن القاسم: سألت مالكًا عن المرأة تؤم النساء في الفريضة والنافلة؟ قال: لا تؤمهن، ولا ينبغي لها ذلك".
وفي كتاب "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل" للإمام الحطاب (من كبار فقهاء المالكية): "وشرط الإمام الذكورية المحققة، فلا تصح إمامة امرأة ولا خنثى مشكل لا لرجال ولا لنساء ولا لخنثى مثله".
وفي "الشرح الكبير" للشيخ الدردير: "(فصل في شروط الإمامة) وشرطها ذكورية محققة، فلا تصح إمامة امرأة".
واستدل فقهاء المالكية على منع إمامة المرأة للنساء بعدة أدلة، منها:
الاستناد إلى الأصل والعمل المتوارث: يرون أن الإمامة منصب ديني لم يُعهد في عهد النبي ﷺ ولا في عهد الخلفاء الراشدين أن امرأة أمّت النساء بصفة راتبة أو مشهورة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، كما أن عمل أهل المدينة (وهو أصل عند مالك) لم يجرِ على ذلك.
عموم الأحاديث المحذرة من تولي المرأة: استدلوا بظاهر قوله ﷺ: "لَن يُفلِحَ قَومٌ وَلَّوا أَمرَهُمُ امرَأَةً"، ورأوا أن الإمامة الصغرى (الصلاة) ملحقة بالإمامة الكبرى (الحكم).
حديث "أخروهن": ما روي في بعض الآثار: "أخروهن من حيث أخرهن الله"، فاعتبروا أن الإمامة تقتضي التقدم، وهو يتنافى مع مأمورية المرأة بالتأخر في الصلاة.
ثالثًا: موضع وقوف المرأة إذا أمَّت النساء
إذا أمَّت المرأة النساء (سواء في الفرض أو القيام)، فإن السنة في حقها تختلف عن إمامة الرجل؛ فلا تتقدم أمامهن، بل تقف في وسط الصف الأول معهن.
يقول الإمام النووي في "المجموع": "السنة أن تقف إمام النساء وسطهن، لما رُوي أن عائشة وأم سلمة أمَّتا نساءً فقامتا وسطهن".
ويقول ابن قدامة في "المغني": "وإذا صلت النساء جماعة، فإمامتهن تقف في وسطهن، ولا نعلم في هذا خلافًا بين من رأى جواز إمامتهن".
رابعًا: إمامة المرأة لأبنائها غير البالغين
يجوز للمرأة أن تؤم أطفالها (الذين لم يبلغوا الحلم) في صلاة النافلة أو التعليم، لكن بمجرد بلوغ الذكر، تنطبق عليه أحكام الرجال، فلا تصح إمامتها له عند جمهور العلماء.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: