الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
9 - رقم الاستشارة : 4969
03/06/2026
توفي قريب لي في بلاد غربية وتمت الصلاة عليه ودفنه هناك، فهل يجوز لنا نحن أقاربه هنا أن نصلي عليه صلاة الغائب بعد مرور شهر على وفاته؟
الحمد لله
وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فمرحبًا بكم
أخي العزيز، وعظّم الله أجركم، وأحسن عزاءكم، وغفر لميتكم وأسكنه فسيح جناته،
والشريعة الإسلامية جاءت باليسر والرحمة، وشرعت صلاة الجنازة دعاءً للميت واستغفارًا
له، وصلاة الغائب هي صلاة تُؤدى على من مات في بلد آخر ولم يحضر أقاربه أو
المسلمون الصلاة عليه في مكانه، أو صلاها عليه من تعذر عليه الحضور. وقد أثيرت هذه
المسألة قديمًا وحديثًا بين الفقهاء لضبط مشروعيتها، وحدودها الزمنية، ومدى الحاجة
إليها إذا كان الميت قد صُلّي عليه في مكان وفاته.
اختصارًا:
•
مشروعية صلاة الغائب: المسألة محل خلاف سائغ بين العلماء؛ فمنهم من يرى
مشروعيتها مطلقًا كالشافعية والحنابلة، ومنهم من يرى عدم مشروعيتها إلا لمن لم
يُصلَّ عليه كالحنفية والمالكية ورواية عن أحمد، ومنهم من يرى مشروعيتها للعلماء
وقادة المسلمين وأهل الفضل وهو رأي ابن تيمية وابن القيم.
•
حكم الصلاة بعد شهر: عند القائلين بمشروعيتها كالشافعية والمنصوص عن
الحنابلة، يجوز لكم الصلاة عليه ولو بعد مرور شهر؛ لأن المعتبر عندهم هو عدم تجاوز
مدة تفتت الجثة وتحللها في القبر، وشهر زماني لا يكفي لتحلل الجثة بالكامل في
الغالب الأعم، بل حدد بعضهم المدة بشهر كحد أقصى قياسًا على الصلاة على القبر.
وبالتالي، فالأمر فيه سعة وتجوز الصلاة عليه بنية الدعاء والاستغفار.
آراء العلماء
قديمًا وحديثًا:
مذهب
الشافعية والحنابلة القول بالمشروعية وجواز الصلاة بعد شهر:
يرى الشافعية
والحنابلة جواز صلاة الغائب على من مات ببلد آخر، حتى وإن صُلّي عليه في مكان
وفاته. وفيما يخص مدة شهر:
•
عند الشافعية: يجوز الصلاة على القبر وعلى الغائب ما لم يمضِ زمن يُظن فيه تفتت الميت
وتحلله، وحددوا ذلك بالرجوع إلى أهل الخبرة بطبيعة الأرض، ولم يحددوها بشهر مطلقًا
بل بالتحلل.
• عند
الحنابلة: صرحوا بجواز
الصلاة على القبر وعلى الغائب إلى شهر من دفنه، وهو المعتمد عندهم.
جاء في
"كشاف القناع عن متن الإقناع" للبهوتي الحنبلي [ج2/ ص123]: وتجوز صلاة
الغائب بالنية إلى شهر من موته، كالصلاة على القبر.
وفي
"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني الشافعي [ج2/ ص26]: يجوز الصلاة على
القبر وعلى الغائب... ما لم يظن تفتته، ويختلف ذلك باختلاف الأزمان والأماكن
والتربة والأمزجة، فيرجع فيه لأهل الخبرة.
مذهب الحنفية
والمالكية القول بعدم مشروعية صلاة الغائب أصلاً إلا لسبب:
يرى أصحاب
هذا الاتجاه أن صلاة الغائب كانت خصوصية للنبي ﷺ في صلاته على النجاشي، أو أنها لا
تشرع إلا لمن مات ببلد لم يُصلَّ عليه فيه أحد من المسلمين كبلاد الكفر. فإن كان
قريبكم قد صُلّي عليه ودُفن هناك، فلا تشرع الصلاة عليه عندهم مجددًا، لا بعد شهر
ولا قبله.
جاء في
"حاشية ابن عابدين" الحنفي [ج2/ ص209]: الصلاة على الغائب لا تجوز، وما
فعل عليه السلام على النجاشي فخصوصية له، أو رفع له الحجاب حتى رآه.
وجاء في
"الشرح الصغير" للدردير المالكي [ج1/ ص559]: ولا يصلى على غائب... إلا
أن يموت ببلد لم يصل عليه فيه أحد، فيصلى عليه صلاة الغائب.
اختيار شيخ
الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم القول بالتفصيل:
يريان أن
صلاة الغائب تشرع إذا كان الميت ذا أثر ونفع للمسلمين كعالم أو حاكم عادل أو أهل
فضل أو إذا لم يُصلَّ عليه في مكان وفاته، أما عامة الناس فلا يُصلى عليهم غائبًا
إذا صُلّي عليهم في بلد وفاتهم.
ورد في
"مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج24/ ص184]: الصواب أن الغائب إن مات ببلد
لم يُصلَّ عليه فيه صُلّي عليه صلاة الغائب... وإن صُلّي عليه حيث مات لم يُصلَّ
عليه صلاة الغائب، إلا أن يكون رجلاً له أثر في الإسلام.
الفتاوى
المعاصرة:
تميل الفتاوى
المعاصرة كفتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية، والشيخ ابن
باز، والشيخ ابن عثيمين إلى جواز الصلاة على القبر أو الغائب لمن فاتته الصلاة،
وحددوا المدة بشهر تيسيرًا، فإذا زادت المدة عن شهر فالأولى الاكتفاء بالدعاء.
في
"فتاوى اللجنة الدائمة" [ج8/ ص420]: تشرع صلاة الجنازة على القبر وعلى
الغائب لمن لم يصل عليه، وتجوز إلى شهر من الدفن، وما زاد فالأولى تركه والدعاء
له.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
قاعدة "لا
يُنكر المختلف فيه، وإنما يُنكر المجمع عليه": مسألة صلاة الغائب وتحديد وقتها من
المسائل الاجتهادية الخلافية التي لا إجماع فيها، وحيث إنها محل خلاف سائغ بين
الأئمة، فلكم أن تأخذوا بمذهب الشافعية والحنابلة الذين أجازوا الصلاة في هذه
المدة، دون إنكار من الآخرين.
قاعدة "الخروج
من الخلاف مستحب": من أراد من الأقارب أن يصلي عليه بناءً على مذهب
الشافعية والحنابلة فله ذلك وله أجر الدعاء، ومن أراد الخروج من الخلاف والاكتفاء
بالدعاء الصادق له بظهر الغيب والاستغفار والتصدق عنه وهو أمر مشروع ومحل إجماع
بعد شهر فهو أفضل وأبرأ للذمة وأقرب للتوافق بين المذاهب.
قاعدة "الأصل
في العبادات التوقيف": هي المستند الفقهي الذي اعتمد عليه المالكية والحنفية
في منع الصلاة بعد شهر أو منع صلاة الغائب على من صُلّي عليه؛ إذ رأوا أن العبادة
تُؤدى في وقتها وهيئتها المأثورة دون توسع، ما لم يثبت دليل خاص بفتح المدة. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات
صلة: