كيف يعيق التحيز التأكيدي قدرات العقل على التفكير؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 95
  • رقم الاستشارة : 4644
23/04/2026

هل يعتبر ما يسمى بـ"التحيز التأكيدي" إحدى الإعاقات أمام العقل في التفكير السليم؟ وكيف نتخلص من هذا العائق حتى نستطيع أن نفكر بطريقة منطقية وصحيحة؟

الإجابة 23/04/2026

أخي الكريم، التفكير يتعرض لعوائق متعددة، بعضها يجمده، والآخر يناهض المنطق والعلم والواقع، ومن بين تلك العوائق ما يسمى بـ"التحيز التأكيدي" الذي يُوصف بأنه "الأب الشرعي لأخطاء التفكير"؛ فالكثير من الأخطاء منبعها ذلك التحيز.

 

ما هو التحيز التأكيدي؟

 

"التحيز التأكيدي" يعرفه "رولف دوبلي" في كتابه "التفكير الواضح" بأنه "الاتجاه نحو تفسير المعلومات الجديدة بما يجعلها تتوافق مع النظرياتِ التي نعرفها ونظرتِنا للعالَم وقناعاتِنا"، ولذا وصفه بأنه "الأب لكل أخطاء التفكير"، لكن هذا الخطأ المنهجي لا يستطيع إلغاء الحقيقة، وكما يقول الكاتب الروائي الإنجليزي الشهير "ألدوس هَكسلي": "الحقائقُ لا تتوقَّف عن الوجود لمجرد أننا نتجاهلها"، فانحيازاتنا لن تطمر الحقائق.

 

ويبدو أن البعض في إطار بحثه عن الراحة وعدم بذل جهد فكري أو إصابته بكسل عقلي واطمئنان إلى أفكاره القديمة، فإنه يلجأ إلى ذلك التحيز حتى تأتي المعلومات والأفكار الجديدة بصورة متسقة مع ما استقر في ذهنه من معتقدات وأفكار وآراء، كما أن البعض يصر على التفكير بطريقة ثابتة لا يرغب في تغييرها.

 

من النصائح التي قدمها الكاتب والرسام البلجيكي "إيرك بيفرناجي" لمقاومة هذا التحيز: "دعونا لا نتمسك بانحيازاتنا التأكيدية المريحة، ولا نبحث عن حقائقنا المقدسة بناءً على معتقداتنا المسبقة، إن وجهات النظر المختلفة عن وجهات نظرنا نعمةٌ تُزيل غشاوة الجهل التي تُغطي حياتنا"، وهذه نصيحة ذهبية، فالانحيازات المسبقة لفكرة أو فرضية معينة، تدفع العقل الإنساني إلى البحث عن الأدلة التي تدعم ما يعتقد فيه أو يؤمن به، وكما يؤكد "بيفرناجي" فإن ذلك الانحياز هو غشاوة أو حجاب يغطي العقل، ومن ثم فتنوع الآراء ثراء للعقل، وليس تشتتًا للفكر، فثراء الآراء نعمة كبيرة.

 

ويلاحظ أن بعض الأشخاص يعطي مصداقية أكبر للأدلة التي تتوافق مع معتقداته السابقة، وعند وجود اختلاف أو تناقض بين المعلومات والمعتقدات التي يؤمن بها، فإن تفكير الإنسان وعقله يكون أمام مأزق صعب، قد يمنعه من الوصول إلى حل لمشكلته أو التفكير بطريقة سليمة.

 

الأزمة الكبيرة للانحياز التأكيدي عندما يسيطر على صناع القرار وكبار المسؤولين، إذ يرفض صانع القرار أي رأي أو معلومة تختلف مع قناعاته، ويمكن تلمس ذلك بوضوح عند رجال الاقتصاد حيث يؤدي إلى سوء تقديرات وخسائر كبيرة واستثمارات فاشلة؛ لأنه نوع من المغالطات الذهنية التي تؤثر على نظرتنا للعالم، وتتسبب في تشوهات معرفي، وهنا تُضلل "الأنا" العقلَ وتخلق له واقعًا زائفًا.

 

الهوى والانحياز التأكيدي

 

وفي التراث الإسلامي وأصول الفقه الكثير من القواعد التي تحذر من هذا التحيز وتبين مخاطره على التفكير والإدراك وعلى الحق والحقيقة، ومن تلك القواعد "اليقين لا يزول بالشك"، وهي قاعدة ترفض التحيز والأوهام التي تحجب الوصول إلى الحقيقة أو تسعى لحجب الحقيقة؛ فالشك لا يزيح اليقين، والظنون لا تحتل مكان الحقائق، وتطبيق هذه القاعدة يحرر العقل من الخضوع المسبق لأفكار ورؤى بعينها.

 

وقد اعتبرت الرؤية الإسلامية ذلك "التحيز التأكيدي" يشبه مفهوم "الهوى" الذي هو أساس كل بلية وخطأ في التفكير والإدراك، ولذلك سعى الأصوليون إلى تقييد هذا الهوى بالقواعد التي تمنع من تأثيراته المنهجية والتقييمية، ولذلك وصف بأنه الهوى "عَدُوٌّ مَتْبُوعٌ".

 

وقد تحدث الماوردي في كتابه النفيس "أدب الدنيا والدين" وأفرد فصلا للهوى، فقال: "وَأَمَّا الْهَوَى فَهُوَ عَنْ الْخَيْرِ صَادٌّ، وَلِلْعَقْلِ مُضَادٌّ"، ولعل القول الذي يوضح تأثير الهوى أو على العقل قول "ابن القيم": "الهوى صنم، ولكلِّ عبدٍ صنم في قلبه بحسب هواه".

 

موضوعات ذات صلة:

ما هو التحيز وخطورته على الفكر الإنساني؟

خطاب الكراهية دوافعه وتأثيراته

كيف تفسر الثقافة وعلم النفس عشق الخرافة؟

هلللذكاء الاصطناعي تأثيرات سلبية على العقل؟

هل تغذي الرقمية عقلية القردة في الإنسان؟

كيف يقود العقل الجماعي الجماهير؟

كيف تؤثر ثقافة الترند على خضوع العقل؟

الرابط المختصر :