وكأنها تعيش معنا بشخصيات أخرى!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : المراهقون
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 14
  • رقم الاستشارة : 5390
22/07/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا فتاة أبلغ من العمر سبعةً وعشرين عامًا، ولي أخت تصغرني بخمس عشرة سنة، أي أن عمرها الآن اثنا عشر عامًا ونصف تقريبًا.

منذ طفولتها كانت هادئة وبسيطة وتحب الرسم والقراءة، لكن منذ حوالي عام بدأت شخصيتها تتغير بصورة كبيرة، حتى إنني أشعر أحيانًا أنني لا أعرفها.

أصبحت تقلد إحدى المؤثرات على مواقع التواصل في كل شيء؛ طريقة الكلام، والضحك، والمشي، وحتى تعبيرات الوجه.

بل إنها أصبحت تطلب منا أن نناديها باسم تلك الشخصية أحيانًا، وإذا خاطبناها باسمها الحقيقي تقول: "هذا الاسم لا يشبهني"

عندما تجلس مع صديقاتها تتحدث بنفس أسلوب تلك المؤثرة، وإذا شاهدت مقطعًا جديدًا لها، تظل أيامًا تقلدها وكأنها تحفظ الدور.

الأمر لم يتوقف عند ذلك، بل أصبحت تحتقر كل ما كانت تحبه سابقًا، فإذا ذكرتها برسوماتها القديمة قالت: "هذه كانت أشياء للأطفال".

وأصبحت تغيّر آراءها كل أسبوع تقريبًا بحسب الشخص الذي تعجب به.

والدتي تقول إنها مرحلة وستنتهي، بينما والدي يرى أنها تافهة ويمنعها من الهاتف أحيانًا، فتدخل في نوبات بكاء شديدة، وتقول: "أنتم لا تفهمونني.. أنا مختلفة عنكم".

أنا لا أريد أن نخسرها، ولا أريد أيضًا أن تكبر وهي لا تعرف من تكون.. فكيف نتعامل معها؟

الإجابة 22/07/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

 

أسعدني كثيرًا يا ابنتي أنكِ لم تكتفي بمراقبة أختك أو انتقادها، بل حاولتِ أن تفهمي ما يحدث داخلها، وهذه في حد ذاتها نعمة؛ لأن كثيرًا من المراهقين لا يحتاجون في البداية إلى من يحاكمهم، وإنما إلى من يفهم رسائلهم الخفية.

 

وأحب أن أطمئنك أن ما تصفينه لا يعني بالضرورة أن أختك فقدت شخصيتها، ولكنه قد يكون جزءًا من رحلة البحث عنها، وهي رحلة تمر بدرجات متفاوتة عند كثير من المراهقين.

 

أولًا: أختك لا تبحث عن المؤثرة، بل تبحث عن نفسها..

 

في علم النفس النمائي، يمر المراهق بما يسمى Identity Formation أو تكوين الهوية. وفي هذه المرحلة يبدأ بسؤال داخلي لا ينطق به غالبًا مفاده: "من أنا؟".

 

ولأنه لا يعرف الإجابة بعد، فإنه يستعير شخصيات الآخرين مؤقتًا، وكأنه يقيس الملابس أمام المرآة، حتى يجد ما يناسبه.

 

إذن فالتقليد هنا ليس هو المشكلة، وإنما المشكلة في الاعتماد الكامل على التقليد دون بناء شخصية مستقلة.

 

ثانيًا: لماذا تتغير آراؤها بسرعة؟

 

لأنها ما زالت تبني منظومتها الفكرية. وهذا ما يسمى Identity Diffusion، أي تشتت الهوية. فهي تنتقل من فكرة إلى أخرى، ومن قدوة إلى أخرى، لأنها لم تستقر بعد على قيمها الخاصة. لذلك لا تنزعجوا من كثرة التغيرات، لكن احرصوا أن يكون بجوارها قدوات حقيقية ومتوازنة.

 

ثالثًا: لا تدخلوا في معركة لإثبات أن المؤثرة سيئة..

 

فكلما شعر المراهق أنكم تحاربون الشخص الذي يحبه، ازداد تعلقه به. وهذه استجابة نفسية تسمى Psychological Reactance أي المقاومة النفسية، حيث يتمسك الإنسان بما يُمنع عنه فقط لأنه مُنع.

 

وفي مثلنا المصري "الممنوع مرغوب" بدلًا من ذلك، ناقشوها بأسئلة هادئة:

 

ما أكثر صفة تعجبك فيها؟

 

وهل يمكن أن نأخذ الصفة الجميلة دون أن نفقد شخصيتنا؟

 

ما الصفات التي تميزك أنتِ ولا توجد عند غيرك؟

 

بهذه الطريقة تنقلونها من التقليد إلى التفكير.

 

رابعًا: أعيدوا اكتشاف مواهبها القديمة..

 

لاحظتُ أنك ذكرتِ أنها كانت تحب الرسم. لا تذكروها بالرسم على سبيل المقارنة، بل افتحوا لها بابًا جديدًا.

 

اشتروا لها أدوات جديدة، أو شجعوها على الاشتراك في نشاط فني؛ لأن الموهبة تعيد الإنسان إلى ذاته. وهذا يعزز ما يسمى Authentic Self، أي الذات الأصيلة.

 

خامسًا: لا تسخروا من طريقة كلامها..

 

قد تبدو مضحكة للكبار، لكنها بالنسبة إليها تجربة تعيشها. السخرية تجعلها تدافع عن الشخصية المستعارة أكثر، بينما الاحترام الهادئ يجعلها تتركها عندما تكتشف أنها لا تشبهها.

 

سادسًا: ازرعوا فيها قيمة التفرد..

 

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. ومن صور هذا التكريم أن لكل إنسان بصمته، وشخصيته، ورسالته.

 

وقال النبي ﷺ: "إن الله جميل يحب الجمال"، والجمال الحقيقي ليس في أن يصبح الجميع نسخة واحدة، وإنما في أن يُحسن كل إنسان إظهار أجمل ما أودعه الله فيه.

 

* وينبغي أن يكون هناك خطوات عملية للأسرة:

 

١- خصصوا معها وقتًا أسبوعيًّا بعيدًا عن النقد.

 

٢- امدحوها عندما تُظهر رأيًّا خاصًّا بها، حتى لو اختلفتم معه.

 

٣- قللوا المقارنات بينها وبين المؤثرين.

 

٤- شجعوها على أنشطة واقعية، لا افتراضية فقط.

 

٥- وليكن الحوار أكثر من إصدار الأوامر.

 

فالمراهق لا يبحث دائمًا عن إجابات، بل يبحث عن شخص يشعر أنه يسمعه باحترام.

 

٦- وأخيرًا، اجعلوا رسالتكم إليها كل يوم، بالفعل قبل القول:

"نحن لا نريد منك أن تكوني مثل أحد.. نحن نريد أن نساعدك حتى تصبحي أجمل نسخة من نفسك".

 

* همسة أخيرة:

 

لا تخافي على أختك لأنها تقلد الآخرين اليوم، ولكن خافي عليها إن وجدت من يقنعها أن قيمتها لا تكون إلا إذا ظلت نسخة من غيرها.

 

فالمراهقة تشبه البذرة؛ قد تهزها الرياح، وقد تميل أغصانها نحو الضوء، لكنها إذا وجدت تربة صالحة، وسقيًا بالحب، وحدودًا بالحكمة، عادت لتنمو كما أرادها الله، لا كما أرادها الناس.

 

روابط ذات صلة:

تقلد شخصيات حزينة ومكسورة.. كيف نتعامل؟!

أنتم جيل قديم.. وصف أختي الصغيرة لنا!

الرابط المختصر :