الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : المراهقون
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
6 - رقم الاستشارة : 4608
28/04/2026
في ظل تزايد حوادث العنف بين المراهقين، وظهور حالات انتحار نتيجة ضغوط نفسية واجتماعية، ومع انتشار محتوى رقمي قد يروّج لهذه السلوكيات، كيف يمكن للأسرة والمجتمع الاستفادة من توجيهات القرآن الكريم في بناء توازن نفسي لدى الأبناء، والوقاية من هذه الظواهر الخطيرة؟
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله..
حقًّا، في ظل عالم مضطرب تتسارع فيه الضغوط النفسية والاجتماعية، ويُعاد فيه تشكيل وعي الأبناء عبر محتوى رقمي مفتوح، يصبح الرجوع إلى منهج ثابت ومُحكم كمنهج القرآن الكريم ضرورة تربوية، لا خيارًا ثانويًّا؛ لأنه يخاطب النفس الإنسانية بعمق، ويؤسس لتوازنها الداخلي قبل سلوكها الخارجي.
ومن وجهة نظري التربوية المتواضعة:
أجد أن بناء التوازن النفسي لدى الأبناء والوقاية من العنف والانهيارات النفسية لا يتحقق بالمواعظ المجردة، بل عبر تفعيل عملي لمنظومة قرآنية متكاملة تُترجم إلى مهارات نفسية وسلوكية يومية، تتكامل فيها الأسرة مع المجتمع، وفق ما يعرف في علم النفس بـ (Holistic Development) النمو الشمولي المتكامل.
أولًا: كيف يوجّهنا القرآن لبناء التوازن النفسي؟
١- ترسيخ معنى القيمة الذاتية..
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ هذا الأصل يُعالج جذور الشعور بالدونية أو الاحتقار، والذي يُعد من أبرز دوافع العنف أو الانسحاب.
فعندما ينشأ الابن وهو مدرك لقيمته، يقلّ لديه الاحتياج لإثبات ذاته عبر السلوك العدواني أو الخطِر.
٢- تدريب النفس على الصبر وضبط الانفعال..
قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، وهذا توجيه مباشر لتنمية مهارة (Self-Regulation) التنظيم الذاتي، التي تُعد حجر الأساس في الوقاية من الاندفاع والعنف.
٣- غرس الأمل ومقاومة اليأس..
قال تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وهنا يتجلى بناء ما يسمى نفسيًّا بـ (Psychological Resilience) المرونة النفسية، التي تحمي الأبناء من الانهيار أمام الضغوط.
٤- والأهم هو تحقيق الطمأنينة الداخلية..
قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ وهذا يعزز ما يُعرف بـ (Emotional Stability) الاستقرار الانفعالي، وهو عامل وقائي مهم ضد القلق الحاد والتفكير السلبي.
ثانيًا: دور الأسرة في تفعيل هذه القيم:
١- الاحتواء العاطفي..
حتى يشعر الابن أن لديه مساحة آمنة للتعبير دون خوف أو سخرية، مما يقلل من الكبت الذي يتحول لاحقًا إلى عنف أو انهيار.
٢- الحوار الواعي حول المحتوى الرقمي..
فبدل المنع فقط، يتم تفسير ما يشاهده الأبناء، وتفكيك الرسائل الخاطئة، مما يعزز (Cognitive Awareness) الوعي المعرفي.
٣- وكذلك القدوة العملية مهمة جدًّا..
فحين يرى الأبناء الصبر، والتسامح، وضبط النفس في والديهم، فإنهم يكتسبونها عبر (Modeling) التعلم بالنمذجة.
٤- تعزيز المعنى والهدف..
وذلك بربط الأبناء برسالة في الحياة، كي تقيهم من الفراغ الوجودي الذي قد يقود إلى السلوكيات الخطرة.
ثالثًا: دور المجتمع في الدعم والوقاية:
١- نشر الخطاب الديني المتوازن..
والذي يجمع بين الرحمة والواقعية، بعيدًا عن الترهيب أو التبسيط المخل.
٢- إطلاق برامج دعم نفسي للشباب..
وذلك لكي تعزز مهارات التكيف مثل (Coping Skills) مهارات المواجهة.
٣- وكذلك الرقابة الواعية على المحتوى مهمة للغاية..
ليس بالمنع المطلق، بل بتقليل انتشار ما يروّج للعنف أو اليأس.
٤- وأيضًا ضرورة إيجاد بدائل إيجابية..
كالأنشطة التي تعزز الانتماء وتحقق (Social Belonging) الشعور بالانتماء.
* ومن هنا غالبًا يتحقق التكامل التربوي.
فحين تتكامل الأسرة مع المجتمع في تطبيق هذه التوجيهات، يتحقق ما يُعرف بـ (Protective Environment) البيئة الحامية، التي تقلل احتمالات الانحراف أو الانهيار النفسي بعون الله.
وفي الحديث النبوي الشريف قال النبي ﷺ: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير..." وهذا الحديث يؤسس لعقلية التوازن والتفكير المرن وتقبّل تقلبات الحياة، وهو جوهر الصحة النفسية.
* همسة أخيرة:
أعزائي، الوقاية من العنف والانهيار النفسي ليست مهمة علاجية متأخرة، بل هي عملية بناء يومي للنفس، تبدأ من ترسيخ الإيمان، وتمر بتدريب المهارات النفسية، وتنتهي ببيئة داعمة. فالقرآن الكريم لا يعالج السلوك فقط، بل يُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وهذا هو جوهر الوقاية الحقيقية.
روابط ذات صلة: