الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
6 - رقم الاستشارة : 6185
23/10/2026
لماذا أصبح الكثير من الشباب فريسة لروح الكآبة التي تعتصر نضارتهم وتؤدي بهم إلى الاكتئاب هل لها أبعاد فلسفية تتعلق بأزمات وجودية؟
أخي الكريم، أخطر ما يواجه الشباب أن يكون ضعفه داخليًّا،
وأن تكون قواه النفسية مهتزة، وأن يكون تطلعه للمستقبل مصبوغًا بالخوف والقلق
والكآبة، فتلك الحالات مزعجة وغير آمنة على الحاضر والمستقبل.
وتأتي الكآبة كأحد الاضطرابات المقلقة التي يعاني منها
الشباب، وشهدت زيادة واضحة مع الرقمية، وتزايد المتطلبات المادية التي يطمح الشاب
لتحقيقها، وخروج الأحلام عن قدرات الشاب وممكنات الواقع.
الكآبة وأبعادها الفلسفية
أخي الكريم، الكآبة قد تكون عابرة أو مرضية، فالعابرة هي
شعور بالحزن المؤقت أو الإحباط أو انخفاض الدافعية نتيجة أزمة أو خسارة أو عوائق
وتحديات في قت معين، لم يستطع الشاب تجاوزها أو تخطيها، وتزول مع زوال السبب الذي
أحدثها أو تغير الظروف نحو الأفضل.
أما الكآبة الحادة أو المرضية فمدتها قد تطول لأسابيع،
ولها أعراض كالحزن العميق، واليأس والشعور بالفراغ، وفقدان الدافعية، وتراجع الإقبال
على الحياة، وهو ما ينعكس جسديًّا في الأرق وفقدان الشهية وخسارة الوزن وعدم
القدرة على اتخاذ بعض القرارات.
لكن أصعب أنواع الكآبة هي المرتبطة بغياب المعنى من
الوجود، فهي تتجاوز أن تكون ذات سبب مباشر أو اضطراب في المزاج، ولكنها تعبر عن
أزمة عميقة في الوعي والتفكير ورؤية للعالم والوجود، كذلك قد تنتج عن الضغوط
المادية في المجتمع الحديث المادي الرأسمالي، فيجد الشباب أنه مطالب بالوفاء بالتزامات
ضخمة في وقت قصير للغاية، وهو ما قد يسبب استنزافًا للطاقة النفسية، وهو حالة تسمى
بـ"الاحتراق النفسي".
وقد رفض الكاتب الراحل "مارك فيشر" في كتابه
"الواقعية الرأسمالية" محاولات البعض استبعاد الجوانب الاجتماعية فيما
يصيب الإنسان من أمراض نفسية، وربط تلك الأمراض العقلية بالكيمياء الحيوية في جسم
الإنسان، ورأى أن ذلك لا يخدم إلا الرأسمالية، وبالتالي لا بد من فهم سياسي
واجتماعي لتلك الأمراض التي تفشت في العصر الحديث.
الكآبة والثالوث السلبي
أخي الكريم، الشاب المكتئب يعيش أزمة وجودية يشعر فيها
بانفصال تام بين ذاته الحقيقية وبين الأدوار الاجتماعية المفروضة عليه، وهذا
الانفصال يولد شعوراً هائلاً بالزيف، حيث يمارس أشياء يراها روتينية لا طائل منها ولا فائدة، وهنا تطفو الأفكار العدمية، لتصبح
الكآبة تعبيرًا عن العجز عن إيجاد معنى للذات وسط ركام التوقعات العالية والواقع
المعقد، مما يدفع الشاب نحو هاوية العدمية.
والشاب المكتئب ينكفئ على ذاته ليصبح عقله مرتعًا
للأفكار السلبية، وهناك يعيد قراءة ماضيه وما فات من أحداث بصورة سوداوية، ويصبح
الماضي بالنسبة له كابوسًا مقلقًا، وعند تلك الحالة يُصاب عقله بتشوهات معرفية،
ويرى عالم النفس "آرون بيك" أن الكآبة تقوم على "الثالوث المعرفي
السلبي": نظرة سلبية تجاه الذات (أنا فاشل)، ونظر سلبية تجاه العالم (العالم
قاس وغير عادل)، ونظرة سلبية تجاه المستقبل (لن يتحسن شيء أبدًا)، وهذه النظرات
الثلاث ليست خيارًا واعيًا، بل هي عدسة مشوهة تفرضها الكآبة على الدماغ.
أما انعكاسات الكآبة على الشباب، فيمكن ذكر بعض
تأثيراتها على النحو التالي:
* التشتت وضعف الانتباه: وذلك بسبب أن الطاقة الداخلية
مستنزفة، كما أن الداخل لا ينظر إلى الخارج إلا من منظور انتقائي يركز على السيئ.
* صعوبة اتخاذ القرارات: نظرًا للمعاناة الداخلية، فإن
استنزاف الطاقة الداخلية يحول دون التفكير المنطقي والواعي في القضايا والمشكلات،
ومن ثم تُصاب عملية اتخاذ القرارات بتعطل وارتباك يُصعب من القدرة على اتخاذ
قرارات صحيحة.
* تراجع التفكير النقدي والإبداعي: الإبداع يتطلب صفاء
ذهنيًّا ونفسيًّا، والتفكير النقدي يتطلب سلامة الإدراك الإنساني من الأعطاب التي
تعطل رؤية الواقع وقراءة بصورة صحيحة، والكآبة لا يتوفر فيها الشروط المطلوبة
لهذين النوعين من التفكير النقدي والإبداعي.
وختامًا أخي الكريم، مشكلة الكآبة أن العقل يترجمها
ويحولها إلى سلوك سلبي وانعزالي عن المجتمع والعلاقات الاجتماعية والإنسانية،
لتكون العزلة هروبًا وتعويضًا للذات من ضعف قدرتها على بناء علاقات صحية وسليمة،
والأخطر أن يبحث الشاب عن إسكات صوت الكآبة في أعماقه من خلال سلوكيات انحرافية،
ولذا يجب إدراك خطورة الكآبة والسعي لعلاجها واقتلاع أسبابها.
موضوعات ذات صلة:
كيف ينجو
الشباب من أزمة فوات الفرص؟
سيكولوجيا
المقارنة.. لماذا تفشت بين الشباب؟
كيف نتجاوز
ظاهرة الاغتراب الرقمي بين الشباب؟
الهشاشة النفسية..
لماذا يعاني منها الشباب؟