التبلد.. لماذا أصاب أفكارنا ومشاعرنا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 7
  • رقم الاستشارة : 4624
19/04/2026

هل ممكن أن تفسروا لنا حقيقة التبلد الذي أصاب مشاعرنا وإحساسنا أثناء متابعة الأخبار عن ماسي أمتنا المسلمة.. هل للإعلام دور في هذا التبلد؟

الإجابة 19/04/2026

أخي الكريم، أصبح تبلد المشاعر سمة للكثيرين؛ بل يكاد يلمس الإنسان من نفسه تبلدًا تجاه ما يراه من مشاهد مؤلمة على الشاشات، فتراه يشاهد اللقطات المروعة من الجثث والجرحى والدمار وهو يتناول طعامه فلا يتوقف ولا يشعر بقشعريرة في جسده أو فقدان لشهيته، ولكنه يكمل طعامه وكأنه لم يرَ شيئًا.

 

والسؤال: هل أصبح الإنسان المعاصر أكثر تبلدًا في مشاعره وأفكاره بسبب كثافة ما يشاهد من مآس وأشياء مروعة لا يملك حيال دفعها شيئًا، ولا يمكنه كذلك أن يتوقف عن متابعة ما يجري حوله، وأمام هاتين المعضلتين، كان التبلد هو الحل اللاشعوري لتخفيف حدة التوتر في النفس.

 

التبلد لماذا يحدث؟

 

التبلد العاطفي هو "حالة تصبح فيها المشاعر خافتة أو حتى معدومة، وغالبًا ما تُوصف بأنها أشبه بالعيش على نمط آلي، حاضر جسديًّا لكنه غائب عاطفيًّا"، فهو حالة من عدم الشعور بالمشاعر أو التعبير عنها.

 

هذا التبلد قد يكون في وقت ما آلية دفاعية لتحقيق الطمأنينة والاستقرار النفسي، لكن مع مرور الوقت تتبلد المشاعر والأحاسيس ويفقد الشخص حرارة العاطفة.

 

ومن علامات التبلد صعوبة الشعور بالفرح أو الحزن، والشعور بالانفصال عن المشاعر والعلاقات، وفقدان الحافز والدافعية والشغف، والشعور بأن الحياة تسير بطريقة آلية رتيبة، وفقدان القدرة على التعبير عن الانفعالات؛ فمثلاً قد لا يستطيع الشخص البكاء في المواقف المؤلمة.

 

ومن مسببات التبلد العاطفي التعرض للصدمات القوية؛ فالصدمة تدفع الدماغ إلى كبت المشاعر والسيطرة عليها كوسيلة للتكيف والتأقلم، كذلك الإجهاد المزمن؛ فعندما تبدو الحياة كموجة مطالب لا تتوقف ولا تنتهي، فهنا يتدخل الدماغ بآلية التبلد لتجنب المزيد من الضغوط، بالإضافة إلى وجود بعض الطبائع ذات التبلد، ووجود أمراض نفسية تُسبب في حالة التبلد.

 

ينظر علم النفس إلى هذا التبلد: أن الدماغ ينفصل عما يجري من خلال إيقاف المعالجة العاطفية وذلك لإدارة الإجهاد الشديد أو الصدمة، وهنا يظهر شعور بالتجمد فتبدو ملامح اللامبالاة على الوجه وفي السلوك.

 

أخي الكريم، هنا نأتي لدور مهم يساهم في التبلد العاطفي وهو الدور الإعلامي؛ فتكرار المآسي والأحداث المؤلمة باستمرار على الشاشات، يؤدي مع الوقت إلى حالة التبلد، التي تكون في بدايتها آلية دفاعية لتحقيق الاستقرار النفسي، لكنها مع الوقت تتحول لطبيعة في الشخصية، ولذا فالأطفال الذين يشاهدون جرائم العنف والدماء في الأفلام، يصابون بتبلد تجاه الدماء والقتل والعنف، فلا يشعرون بحساسية عند مشاهدته؛ بل قد يشعرون بمتعة وتلذذ.

 

وتفسر الدراسات النفسية والإعلامية بأن الإفراط في التحفيز يؤدي إلى حالة التبلد التي نراها من عدم تأثر المشاهدين بالدمار والقتل على شاشات التلفاز؛ فالإفراط في التحفيز يتسبب في فقدان الحساسية تجاه العنف والقتل على سبيل المثال.

 

التغلب على التبلــــد

 

في كتاب "كيف تشعر من جديد؟" للكاتبة الأسترالية "كارين هاردينغ" الصادر 2025م تقدم بعض النصائح لمواجهة هذا التبلد، الذي أسمته "الخدر العاطفي" حيث لفتت الانتباه إلى أن التبلد –في بعض الحالات- يمكن فهمه على أنه آلية دفاعية، وليس عيبًا في الشخصية أو ضعفًا، وبالتالي يصبح من الضروري أن يستعيد الإنسان حقه في الشعور، وذلك من خلال تجاوز وعلاج مسببات التبلد التي قد تكون نفسية وعصبية، أو ترجع إلى صدمات نفسية.

 

الرؤية الإسلامية نظرت إلى التبلد على أنه قسوة للقلب، وأن علاج تلك القسوة يكون من خلال تنمية الرحمة والإحساس تجاه المعاناة والمحرومين، وتحفل السنة المشرفة بآليات إنسانية لمعالجة هذا التبلد، فحذرت من أن التبلد ينفي انتماء المسلم لمجتمعه؛ ففي الحديث الصحيح الذي ورد بأكثر من رواية، لكن لها نفس المعنى، قال : "ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه"؛ فالتبلد مرفوض إيمانيًّا لأنه ينفي صلة الإخاء والإيمان والتراحم في المجتمع، ويحول أفراد المجتمع إلى جزر منعزلة لا صلة ولا تراحم بينها.

 

ومن العلاجات التي طرحتها الرؤية الإسلامية لعلاج التبلد، الرحمة بالضعفاء، فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ" (أخرجه الإمام أحمد).

 

موضوعات ذات صلة:

ما هو دور الإعلام في تزايد حالات الانتحار؟

هل يمكن التنبؤ بالانتحار واقتلاع أسبابه؟

ما التصورات الخاطئة التي تقف خلف الانتحار؟

يضحك على أخبار الحرب وكأنها فيلم!

ابني يقلّد مشاهد الانتحار التي يسمع عنها!

لا يهاب الموت.. بل يعتبره لعبة!

الرابط المختصر :