الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
82 - رقم الاستشارة : 4567
13/04/2026
تزايد حالات الانتحار هل تقف خلفه تصورات مغلوطة عن مفهوم المعاناة وطبيعة الحياة ثم الحياة بعد الموت؟ ولماذا أصبح الإنسان المعاصر هذا يفضل الانتحار على الصبر والمواجهة؟
أخي الكريم، في البداية الموقف الشرعي شديد الوضوح فيما يتعلق بالانتحار، وهو الرفض التام لهذا المسلك، ووعيد لمن يقدم على الانتحار بالعذاب في الآخرة، لكننا في استشارتنا الحالية سوف نناقش مسألة الأفكار والتصورات الخاطئة التي تزين الانتحار، وتدفع الشخص إلى حافة اليأس الذي يتصور معه أن الموت هو النهاية الممكنة والأفضل لمعاناته وأزماته المستحكمة.
الانتحار وغياب اليقين
قديما قال الفيلسوف الروماني القديم "سينيكا" الذي عاش في القرن الأول الميلادي: "أحيانًا يكون مجرد العيش فعلًا من أفعال الشجاعة"، أي أن تغيير تصوراتنا تجاه الاستمرار في الحياة، وكذلك تعديل تصوراتنا تجاه التعامل مع المعاناة في الحياة، قد يكون مانعًا لغزو الأفكار الانتحارية لعقولنا وسيطرتها على تصوراتنا؛ فالانتحار يعني تحكم تصورات اليأس والعدمية في العقل الإنساني.
تؤكد إحصاءات منظمة الصحة العالمية الصادرة 2025م، أن هناك أكثر من (727) ألف حالة انتحار سنويًّا، وأن الانتحار هو السبب الثالث في الوفاة بين الشباب في المرحلة العمرية من (15 حتى 29) عامًا، وأن (73%) من حالات الانتحار تتم في البلاد ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وأشارت المنظمة إلى أن العديد من حالات الانتحار هي نتاج اندفاعات في لحظات الأزمات أدت إلى انهيار القدرة على التعامل مع الضغوط مثل: الضغوط الاجتماعية أو المالية أو الصحية، وتشير إحصائية أخرى إلى أنه خلال أقل من شهرين فقط في بداية العام 2026م، انتحر حوالي (95) ألف شخص.
ومنذ سنوات وتحديدًا في العام 2021م، طرحت منظمة الصحة العالمية مبادرة بعنوان "عِش الحياة" للوقاية من الانتحار من خلال تعديل التصورات والأفكار والتي يتشارك فيها الفرد والمجتمع، وطرحت التدخل المبكر لتجفيف الأفكار والعوامل التي تشجع على الانتحار، وكان من بين مقترحاتها لمنع الانتحار "تعزيز المهارات الحياتية والعاطفية لدى الشباب"، أي تغير تصوراتهم تجاه أشياء، منها مفهوم المعاناة والأزمة والعقبات التي تعترض مسارهم الحياتي.
الانتحار لا يحدث بدون سابق إنذار
تشير دراسات علمية إلى أن من التصورات التي تقف وراء الانتحار، هو تبرير العنف وبخاصة ضد الذات، وهذه الفرضية أشارت لها دراسة مهمة صدرت عام 2017م ، وأكدت أن العدوان كسمة شخصية ربما يكون أحد العوامل التي تقف وراء الانتحار، فيوجد ارتباط، يمكن رصده، بين السلوك العنيف في مرحلة البلوغ والمراهقة وبين الانتحار أو محاولة الانتحار، ولعل هذا ما يفسر أن أكثر من 70% من أعداد المنتحرين هم من فئة الشباب.
من التصورات المغلوطة التي تقف وراء الانتحار، هو أن البعض يظن أن الحياة شيء غير مهم، ومن غير الجدير الاحتفاظ به، وربما هذا ما أشارت إليه مقوله قديمة للفيلسوف الاسكتلندي "ديفيد هيوم" في القرن الثامن عشر الميلادي: "أعتقد أنه لم يقم أي إنسان بإهدار الحياة بينما كانت تستحق الاحتفاظ بها"، ومعنى هذا أن تعديل التصورات تجاه الاستمرار في الحياة وبث الأمل، واليقين في أن الأزمة ستزول، وأن هناك أبوابًا من السعة والفرج قادمة من الغيب، تدفع الإنسان للتمسك بالحياة وعدم إهدارها.
من التصورات المغلوطة التي تشجع على الانتحار هو التصور الخاطئ عن مسألة المعاناة، وكيفية التفاعل معها؛ لأن الحياة في مجملها هي رحلة من التحديات والعقبات، وفي بعض الأحيان تكون هناك معاناة وألم، فيجب أن يكون التصور الموجود عن الحياة أن بها عقبات وألمًا وليس حياة وردية خالية من الأشواك.
تؤكد دراسات نفسية أن من الخرافات المرتبطة بالانتحار، هو أنه حدث لا يمكن توقعه ولا يمكن منعه، فالتجارب تؤكد أن الانتحار يمكن توقعه فبعض عوامله وراثية ونفسية والأخرى مرتبطة بالنشأة والبيئة، ومنها ما هو مرتبط بالتصورات المغلوطة.
وختامًا أخي الكريم، لا شك أن الإيمان العميق بالخالق سبحانه وتعالى، هو القادر على إصلاح كل التصورات الدافعة للانتحار؛ لأن الإيمان يبث يقينًا في النفس بالأمل والعدل، وأن السماء تسمع أنين المظلومين والمحرومين، وأنها ستنصرهم، وستعوضهم خيرًا، سواء في الدنيا أو الآخرة.
موضوعات ذات صلة:
الفلسفة العدمية.. عندما يُفتقد اليقين والإيمان
بين ندم ويأس وأفكار انتحارية.. استغاثة طالب جامعي مغترب
متهورة وحاولت الانتحار أكثر من مرة!!!