الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
14 - رقم الاستشارة : 5854
15/09/2026
إذا كان الإلحاد يؤمن بالعدم فكيف نظر إلى الموت وما موقفه الفكري من الموت وهل يشكل الموت قلقا وجوديا للإلحاد؟
أخي الكريم، الموت هو الحقيقة التي لا يستطيع
أن ينكرها أحد، ولا يمكن له مقاومتها أو الهروب منها؛ لذا يظل تحديًا وجوديًّا
للإلحاد، يخشاه ويرهبه ولا يستطيع أن يفلت منه؛ لأنه لا يريد أن يؤمن بشيء بعده،
يقول الأديب "ميخائيل نعيمة": "أتخافون الموت؟ إذن فكيف تركنون إلى
الحياة وأنتم عارفون أنها تقودكم إلى الموت؟ من كره الموت فليكره الحياة".
الموت.. أخافه ولا أعترف به
أخي الكريم، الموت أزمة وجودية عميقة للإلحاد
قديمه وحديثه، وربما صاغها الممثل "أنطوني كوين" في مشهد تمثيلي فلسفي
في فيلمه الشهير "زوربا اليوناني" الذي تم أنتجه عام 1964م، عندما قال
وهو على فراش الموت: "أنا لا أعترف به ولكنني أخاف منه".
فكرة الموت مزعجة لكل غير مؤمن بالله؛ لأن
الموت هو جسر العبور للآخرة، والملحد يشعر باطمئنان وراحة مع غياب أي تفكير أو
تذكير بالآخرة، والموت هو أكبر مُذكر بالآخرة؛ فمواجهة الموت بغير دين أمر شديد
الصعوبة في ذهن الملحد، ولذا كان على جبهات القتال في الغرب يقولون "لا يوجد
في الخنادق ملحدون"، أي عندما يواجه الإنسان الموت في أي لحظة يهتز في أعماقه
الإلحاد بعنف شديد.
الموت في رؤية الإلحاد ليس إلا "مأساة
عبثية" حتمية، وهروبًا من تبعات ما بعد الموت، فقد رأى الإلحاد أن الموت هو
بوابة للعدم، وكأن العدم هو ما سيحقق الطمأنينة للملحد، يزعم الإلحاد أنه لا حياة
بعد الموت، وأن البعث والحساب ما هو إلا قصص طفولية للحض على الخير والابتعاد عن
الشر؛ لذا يزعم الإلحاد أن "المـوت مـوت"، أي نهاية لا حياة بعدها.
هذا الرأي موجود من قديم في الفلسفة اليونانية
القديمة، وفي فلسفة "أبيقور" (المتوفى 270 قبل الميلاد) زعم أن الخوف من
الموت ما هو إلا مرض نفسي يحرم الإنسان من تذوق بهجة الحياة، وقال: "حين نكون
على قيد الحياة لا يكون الموت، وحين يأتي الموت لا نكون أحياء"، ومعنى مقولته
إن الحياة والموت خطان لا يلتقيان أبدًا؛ لذا رأى أن الموت "ليس تجربة مؤلمة
نعيشها، بل هو غياب التجربة نفسها، والخوف من الموت هو خوف من الـلاشيء".
ولعل رؤية الفلسفة الأبيقورية للموت نابعة من
رؤيتهم المادية للحياة، فهم يرون أن الإنسان كائن مادي يتكون من ذرات مادية تتحرك
في فراغ، والموت هو تفكك لتلك الذرات؛ لذا فالموت هو "وعي بالعدم".
الموت في رؤية بعض الملحدين هو السطر الأخير في
رواية الحياة، وأنه يكفي الاستمتاع بقراءة تلك الرواية، ولا يجب البكاء مع
انتهائها، ولا شك أن تلك الرؤية الإلحادية تافهة؛ لأن عدم النظر للموت كبوابة
للعبور إلى عالم آخر، يتم فيه الجزاء والحساب على ما دوّنه الإنسان في
"روايته" في الحياة، فإن العالم سيتحول إلى جحيم وغابة شريرة.
قلق الفناء
أخي الكريم، قلق الفناء هو غريزة فطرية في
المخلوقات وفي مقدمتها الإنسان، ولا يمكن أن يطمر الملحد ذلك القلق الوجودي من
الموت، ولكن الإلحاد يسعى للتحايل على هذا القلق، لأنه سيفتح أبوابًا من الأسئلة
الوجودية عن الخالق سبحانه وتعالى، وعن المصير بعد الموت وعن الجزاء والحساب.
ومن التحايل الإلحادي على قلق الموت الزعم بأنه
"نوم أبدي لا يقظة بعده"، أو "فناء وعدم"، أو "أننا
سنذهب من حيث جئنا"، أو أن "الموت هو ثمن امتياز الولادة"، كما
يزعم الملحد المعاصر "ريتشارد دوكينز".
في حين أن الكاتب الأمريكي الملحد
"كريستوفر هيتشنز" الذي توفي بالسرطان عام (2011م) رأى أن الموت يشبه
مغادرة الحفلة، في آخر كتبه قبل موته، وهو بعنوان "الوفاة" (Mortality)
أكد أن الخوف من الموت يجب ألا يدفعه إلى تبني أوهام غير عقلانية (يقصد بها
الإيمان بالله تعالى والبعث بعد الموت) وأن الموت ما هو إلا فناء المادة.
قلق الموت يشكل رعبًا للإلحاد، ونجد مثلاً
الطبيب النفسي الأمريكي الملحد "إيرفين يالوم" في كتابه "النظر إلى
الشمس: التغلب على رعب الموت" طرح مفهوم "التموج" (Rippling)؛
للتغلب على مخاوف الموت، وهو يعني أن خلود الإنسان الحقيقي يكمن في الأثر الذي
يتركه في الآخرين (فكرة، نصيحة، عمل خير) والذي يستمر في الانتقال من شخص لآخر
كتموجات الماء.
موضوعات ذات صلة:
هل يتشابه الإلحاد مع الجاهلية في تقديس المادة؟
الإلحاد الديني والعلمي هل هناك اختلاف؟
ما دلالة تراجع فلو عن الإلحاد بعد خمسين عامًا؟