كيف يمكن بناء قدوة في العصر الرقمي؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : فكر معاصر
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 10
  • رقم الاستشارة : 5410
25/07/2026

في العالم الافتراضي حيث الخصوصية والذاتية الشديدة هل يمكن بناء قدوات في العصر الرقمي وكيف تؤثر القدوة الرقمية في المتابعين؟

الإجابة 25/07/2026

أخي الكريم، القدوة مهمة في الحياة وفي التربية فهي التجسيد الحي للقيم والمبادئ؛ لذلك فوجودها أبلغ في التأثير من المواعظ المجردة والنصح الحار، وفي العالم الرقمي تتحول القدوة إلى ضرورة نظرًا لقدرتها على التأثير الواسع، المتجاوز للحدود والأعمار.

 

القدوة ضرورة

 

أخي الكريم، في استشارة سابقة بعنوان "مسؤولية القدوة في الإصلاح الاجتماعي" ذكرنا أن بناء القدوة يحتاج إلى زمن ممتد لتشييدها، فهي ليست عملية فجائية أو سريعة، وأن علم النفس يؤكد أن القدوة تقوم بوظيفتين، أولاهما: كشف العواقب أو المكافآت المحتملة لسلوك معين للآخرين، بما في ذلك الفوائد المباشرة (المادية مثلاً) أو غير المباشرة، كالرضا أو الفخر أو الثناء العلني، وثانيهما: ممارسة تأثير أو سيطرة كبيرة على سلوك الآخرين.

 

وخلال العقدين الماضيين فرضت الرقمية حضورها على الإنسان، وأصبحت أكثر تداخلاً في حياته، فأعدت تشكيلها وهيكلة أجزاء منها إلى واقع جديد، وفي ظل الفردانية والذاتية والخصوصية التي صبغت الكثير من مستخدمي الرقمية، وتراجع تأثير القدوات التقليدية، ظهرت أفكار تتحدث عن "القدوة الرقمية" digital role model.

 

ويُقصد بالقدوة الرقمية أن يُقدم مثالاً إيجابيًّا وصحيًّا ومحترمًا في كيفية استخدامه للتكنولوجيا والإنترنت، وهذا يعني ممارسة عادات جيدة مع الهواتف وأجهزة الكمبيوتر ووسائل التواصل الاجتماعي حتى يتمكن الأطفال والأصدقاء وزملاء العمل من التعلم منهم.

 

ولعل مفهوم القدوة في العصر الرقمي، يضع الآباء في بؤرة أن يكونوا قدوة لأبنائهم في استخدام الرقمية وبخاصة في الجانب الأخلاقي، لذا هناك حديث عن "الآباء الرقميين" الذين يجب أن يتقنوا استخدام الرقمية مثل أبنائهم، ويكونوا حاضرين في الفضاء الرقمي مثل أبنائهم؛ بل أن يسبقوا الأبناء بخطوة حتى يتمكنوا من فهمهم وفهم التطور الرقمي، إضافة إلى امتلاك القدرة على التوجيه وبخاصة التوجيه الأخلاقي والقيمي.

 

وهذا ما دعا عالمة النفس الأمريكية "يالدا أوليس" Yalda Uhls في كتابها عن "الأبوة والأمومة في العصر الرقمي" إلى بيان ضرورة وأهمية النموذج الذي يُحتذى به في العصر الرقمي، خاصة أن الكثير يقضي ما يقرب من عشر ساعات يوميًّا أمام الشاشات المختلفة، أضف إلى ذلك أن جزءًا من العملية التعليمية انتقل إلى الحيز الرقمي، وهو ما يفرض أن يقوم الآباء أنفسهم بدمج الوسائط الرقمية في أنشطتهم اليومية، وبذلك تكون "الأبوة والأمومة دائمة" في ظل المجتمعات المتشبعة بالتكنولوجيا الرقمية.

 

مظاهر القدوة الرقمية

 

أخي الكريم، القدوة الرقمية هو أن يكون استخدامك للرقمية بصورة تتواءم مع الأخلاق والجوانب الإنسانية استهلاكًا ومشاركةً، ومن ذلك:

 

* الالتـــزام بالأخلاق في استخدام الرقمية، فالامتناع عن المواقع المشبوهة والإباحية وبخاصة من الوالدين له تأثيره الإيجابي في بناء قدوة أخلاقية في العالم الرقمي، تشير دراسة إلى أن مشاهدة المواد الإباحية في الأسرة يمكن أن تسمى "القاتل الصامت"، حيث وجد في بعض المجتمعات الغربية أن 56% من حالات الطلاق تحدث بسبب هوس أحد الزوجين بالإباحية، وأن الإباحية تُنهي ما يقارب 500 ألف زواج سنويًّا، وأنه إذا أدخل الأهل المواد الإباحية إلى المنزل، فمن المرجح أن يتعرض الأطفال لها في مرحلة ما، سواء اكتشفوها بأنفسهم أو شاهدوا أحد الوالدين يشاهدها.

 

* ضرورة حضور الرقابة الوالدية على الأبناء في الاستخدام الرقمي: وحضور الرقابة يعني أن القدوة في الأسرة ليس معناها أن تحرض على التلقي الصامت من الآباء للأبناء، ولكن قد يتطلب الأمر الرقابة الواعية على ما يستهلكه الأبناء على الإنترنت، والتدخل حتى لا تتحول مشاهدة الإباحية إلى نوع من الإدمان يصعب التخلص منه.

 

* إعطاء المساحات الإنسانية حقها: وذلك بتجنب استخدام الهواتف الذكية والتفاعل مع مواقع التواصل الاجتماعي أثناء اللقاءات الأسرية واللقاء مع الأصدقاء، وذلك بأن نضع الهاتف جانبًا وأن ننصت إلى بعضنا البعض، وأن نتفاعل إنسانيًّا لا تكنولوجيًّا أثناء لقاءاتنا المباشرة، وهذه الممارسة يجب أن يكون الآباء قدوة فيها.

 

* التوجيه بدلاً من العشوائية: وهذا يفرض على الآباء والقدوات ضرورة غرس العادات الإيجابية في الاستخدام المتوازن للرقمية منذ الصغر؛ لأن هذا يُرسي قواعد لرفاهية الأبناء، بدلًا من التصفح العشوائي.

 

وختامًا أخي الكريم، السلوك الحسن والنصيحة الصادقة والقدوة الجيدة، لا تظن أنها تضيع حتى وإن بدا لك أن الآخرين لا ينصتون إليك، ولكن ابذل جهدك في النصح، والأفضل أن تجسد تلك النصائح في سلوك عملي واضح يجعلك قدوة للآخرين.

 

موضوعات ذات صلة:

مسؤولية القدوة في الإصلاح الاجتماعي

هل هناك فارق بين القدوة والتقليد؟

كيف تؤثر العدوى في انتشار الأخلاق؟

كيف نتغلب على عقلية الاستسهال وإيثار الراحة؟

ما واجب المشاهير تجاه قضايا الأمة؟

الرابط المختصر :