كيف نطور وسائل دعوة الفتيات والنساء بالجمعيات؟

Consultation Image

الإستشارة 10/08/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا مديرة القسم النسائي في جمعية تنمية الفتيات وتأهيل المرأة.

أتوجه إليكم بطلب هذه الاستشارة لوجود تحدٍّ كبير يؤرقنا؛ وهو ظاهرة "الجمود والنمطية في وسائل ودعوة الفتيات وغياب محاكاة الاهتمامات المعاصرة للمرأة".

المشكلة تكمن في أن أنشطتنا الدعوية لا تزال محصورة في إقامة محاضرات وعظية تقليدية في قاعات مغلقة تركز فقط على الترهيب من التبرج وعقوبة المخالفات، بأسلوب فوقي جاف وصارخ يفتقر للرفق والاحتواء الفكري والنفسي؛ في المقابل نعاني من موجة هدم وتغريب كبرى تقودها منصات رقمية ومشاهير نسويات يستقطبن الفتيات بذكاء من خلال الحديث عن تطوير الذات، الاستقلال المالي، الجمال، والدعم النفسي.

وحين نقترح تطوير وسائلنا لإقامة نوادٍ أدبية، أو دورات في الإدارة المنزلية والتجميل المباح، أو تفعيل الحوار الفكري الرقيق لتعزيز قيمة الأمومة والحجاب الحضاري، نُواجه بالرفض والتخوف من الخروج عن النمط الوعظي الموروث والجهل بفقه دمج القيم في الاهتمامات النسائية الحديثة.. كيف نطور ميدان الدعوة النسائية لانتشال بناتنا وحمايتهن بلغة دافئة ومقنعة؟

الإجابة 10/08/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم أيتها الأخت الفاضلة والمسؤولة المباركة، وشكر الله لك هذا الحرص والأمانة الفائقة في السعي لحماية وبناء ثغور الدعوة النسائية.

 

ثمّ إن تشخيصك الدقيق لخلل "جمود وسائل دعوة الفتيات" يصيب قلب العمل التربوي والاستراتيجي المعاصر؛ إذ إن عجز الوسائل عن احتواء اهتمامات الفتاة وعقلها ونفسيتها بلغة دافئة يؤدي حتمًا إلى تمدد الفكر الهدام، وضياع النواة الأولى لصناعة الأجيال وهي المرأة المسلمة بوعيها وحجابها وعفتها.

 

إن الشريعة الإسلامية الغراء جاءت بأحكام ومقاصد تحوط المرأة بأعلى درجات التكريم، والرفق، والرحمة، وخاطبت نفسيتها بما يلائم رقتها وعاطفتها الجياشة دون قهر أو تسفيه؛ ومن يتأمل المنهج النبوي العبقري يجد كيف كان يخصص للنساء يومًا مستقلاً لتعليمهن ومحاورتهن بقمة الرفق والأدب، وكان يوصي بالنساء في أحرج الأوقات قائلاً بعبارات رقيقة تأسر القلوب: «رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ».

 

وحين دخل بيت ابنته فاطمة -رضي الله عنها- ورأى انزعاجها، لم يعاتبها بخشونة بل سكب على روحها السكينة والحب والمصاحبة؛ والله تعالى يعلمنا في كتابه أن الرفق واللين هما المغناطيس الأعظم لجمع القلوب ومنع التفرق، حيث يقول سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

 

فالخطاب الدعوي النسائي الذي يقتصر على الصراخ، والترهيب الجاف، وتجاهل تساؤلات الفتيات الفكرية واهتماماتهن الجمالية والنفسية المباحة، هو خطاب يعاني من قصور حاد في فهم أدوات الميدان وفقه الموازنات، ويسلم الفتيات للتيارات المنحرفة بجهله.

 

ثم إن التجديد يفرض على إدارة الأقسام النسائية مغادرة مربع "المواعظ الفوقية الجافة" والتحول الشجاع والمنضبط نحو مربع "الاحتواء النفسي والتربية بالقيم المدمجة والنوادي التفاعلية الدافئة"؛ بتقديم الإسلام للفتاة كمنظومة حياة تكرم ذاتها، وتحمي عفتها، وتلبي طموحاتها المباحة بوعي وتوازن تام.

 

ولتحقيق هذا الارتقاء الميداني في جمعيتكم المباركة نوصي باتخاذ القرارات التنفيذية التالية:

 

أولاً: تأسيس "نادي فتاة الإسلام الثقافي والمهاري" داخل الجمعية، وهو ناد تفاعلي مفتوح يبتعد عن شكل الفصل الدراسي، ويقدم دورات ممزوجة بالقيم؛ (مثل: دورة فن التجميل والعناية بالبشرة المباح وتدمج في ثناياها قيمة شكر النعمة وحرمة تغيير خلق الله وفقه الستر، دورة التخطيط المالي وتطوير الذات وتدمج في ثناياها قيمة الأمانة وحرمة الكسب الحرام والرضا)، لتدخل القيم لنفوس الفتيات بطريقة ذكية وغير مباشرة.

 

ثانيًا: إطلاق "سلسلة جلسات الفضفضة الفكرية والاحتواء الروحي الشفافة"، وهي جلسات حوارية نصف شهرية مغلقة وهادئة تقودها داعيات شابات متميزات ومؤهلات نفسيًّا، تُتاح فيها الحرية الكاملة للفتيات لطرح شبهات النسوية، أسئلة الحجاب، ضغوط وسائل التواصل، والمشكلات العاطفية، وتفكك الشبهات بروح الأمومة الحانية والصداقة العميقة والحجة العقلية الهادئة دون ذعر أو تبديع.

 

ثالثًا: تنظيم "ملتقيات الفنون والمبادرات المجتمعية النسائية"، من خلال إقامة معارض للتصوير الهادف، أو الكتابة الأدبية، أو مسابقات الطهي وإعداد المأكولات وتوجيه ريعها لكفالة الأيتام، لتمارس الفتاة طاقاتها وفنونها في بيئة نسائية نقية ومحافظة ومحفزة، تشعرها بأن التدين حياة، ونشاط، وإبداع، ورفعة وليس انغلاقًا وبؤسًا.

 

وأنصحك ختامًا بما يأتي:

 

• صممي "وثيقة اللطف والرفق الدعوي النسائي" تكون ملزمة لكل داعية تدخل المعهد، تمنع استخدام عبارات الطرد، والتشكيك في النوايا، والتركيز على الابتسامة والبشاشة واحتضان المقصرات بحب.

 

• احرصي على إنتاج بطاقات ومقاطع رقمية قصيرة وأنيقة جدًّا في تصميمها البصري (تناسب الذوق الأنثوي المعاصر)، تتحدث عن عظمة مقام الأمومة، جمال الحجاب الحقيقي، وقصص نجاح لنساء مسلمات متميزات، ونشرها في منصاتهن المفضلة.

 

• لا تتردَّدي في إدخال "الأخصائية النفسية المؤصلة شرعيًّا" ضمن فريق العمل الثابت، فكثير من أزمات الفتيات السلوكية والتبرج تنطلق من فجوات عاطفية في المنازل أو صدمات نفسية تحتاج علاجًا موازيًا للقرآن والوعظ.

 

وأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يحفظ بناتنا وفتياتنا من كل سوء وفتنة، وأن يجعل جمعيتكن حرزًا حصينًا ومنارة دافئة لهدايتهن وبناء شخصياتهن القرآنية الصالحة، ويرزقكم الإخلاص والقبول في الدنيا والآخرة.

 

روابط ذات صلة:

كيف نجدد الخطاب الدعوي النسائي ليكون جذابًا ومعاصرًا؟

رعاية القوارير بين الواجب الأسري والجهد الدعوي

الدعوة النسائية بين الأصالة والمعاصرة

الرابط المختصر :