الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة النسائية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
127 - رقم الاستشارة : 4109
12/02/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أعمل في مجال الدعوة بين النساء، وألاحظ أن كثيرًا من الخطاب الدعوي الموجَّه لهن يركّز على التقصير، والتشديد، والتخويف، وكأن المرأة دائمًا في موضع اتهام أو محاسبة.
وأرى آثار ذلك واضحة؛ حيث نفور بعض النساء من المجالس الدعوية، شعور دائم بالذنب، أو انسحاب صامت من الالتزام بدل الاقتراب منه.
وأخشى أن نكون –بحسن نية– قد أسأنا تمثيل الدين، أو حمّلنا النساء ما لا يحتملنه نفسـيا واجتماعيًّا. فكيف نُحسن الدعوة إلى الله بين النساء؟ وكيف نوازن بين التوجيه الشـرعي والرحمة، دون تفريط أو قسوة؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بكِ، وجزاكِ الله خيرًا على هذا الوعي العميق؛ فإنَّ إدراك أثر الخطاب على القلوب من أعظم دلائل فقه الداعية وبصيرته. واعلمي –رعاكِ الله– أن الدعوة النسائية ليست مجرد نقل أحكام؛ بل هي بناء إنساني وروحي طويل النفس.
وأول ما ينبغي تقريره:
أن المرأة في كثير من المجتمعات تحمل أعباء نفسية واجتماعية مضاعفة، وأن الخطاب الدعوي إن لم يُراعِ ذلك، تحوّل من وسيلة هداية إلى سبب نفور. وقد قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسـر وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسـر﴾ [البقرة: 185]، وهذا أصل حاكم في كل خطاب تربوي ودعوي.
ومن معالم المنهج الصحيح في الدعوة بين النساء:
1) تقديم الرحمة على المحاسبة: فالقلوب المرهقة لا تُصلِحها لغة الاتهام، بل خطاب الطمأنة والاحتواء. وقد كان النبي ﷺ إذا خاطب النساء خاطبهن بلطف، وراعى ضعفهن الإنساني، وقال: (استوصوا بالنساء خيرًا)، فالرحمة ليست تمييعًا، بل مدخل الإصلاح الحقيقي.
2) فهم الواقع قبل تنزيل الحكم: فكثير من التقصير الظاهر سببه ظروف نفسـية، أو ضغوط أسـرية، أو جراح قديمة. والداعية الفقيهة لا تبدأ بالحكم، بل بالفهم، ولا تُعالج العرض دون تشخيص الداء.
3) القدوة الصادقة أبلغ من الوعظ المتكرر: فالداعية التي تجمع بين الالتزام والاتزان، وبين الحياء والانفتاح الإنساني، تقدّم نموذجًا حيًّا يجعل الدين محبوبًا لا مخيفًا. فالمرأة تتأثر بالنموذج القريب أكثر من الخطاب العالي.
4) عدم اختزال التدين في قائمة محظورات: فالدين ليس فقط: ماذا تلبسـين؟ وماذا تفعلين؟ بل هو: كيف تحبين الله؟ كيف تتعاملين مع نفسك؟ كيف تتجاوزين الألم؟ حين يُختزل الدين في المنع، يُنتزع منه جماله.
5) التدرّج واحترام المسار الشخصـي؛ فلكل امرأة رحلتها الخاصة مع الله، ولا يجوز استعجال القطف قبل نضج الثمر. وقد قال ﷺ: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه).
وفي الختام:
اجعلي دعوتكِ مرآة لرحمة الله، لا سوطًا على ظهور المنهكات.
قرّبي النساء من ربهن، لا من صورة مثالية مستحيلة.
وكوني جسـرًا لا حاجزًا، وملجأً لا محكمة.
فمن أحسنَتْ احتواء قلب، فقد فتحتْ بابَ هداية لا يُغلق.
ونسأل الله أن يجعلكِ سبب سكينة لا سبب وجع، وأن يبارك في دعوتكِ، وأن ينفع بكِ القلوب قبل السلوك.
روابط ذات صلة:
دعوة النساء في الغرب بين الحصن الشرعي وهاجس التعدد