الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
157 - رقم الاستشارة : 3684
27/12/2025
كنتُ في بدايـاتي أعيش حرارة الدعوة بكل كياني، أخرج إلى الناس بحماس، أكتب، أتكلم، وأبذل ما أستطيع، لكني الآن بعد سنوات من العمل الدعوي أشعر بفتور شديد، لا أجد تلك اللذة القديمة، وكأن الشغف قد خبا، وصرت أؤدي ما عليّ وكأنه واجب ثقيل. حاولت أن أستعيد نشاطي بقراءة الكتب وسماع المحاضرات، لكن سرعان ما أعود إلى الفتور. فما السبب؟ وكيف أستعيد ذلك الوهج الذي كنت أعيش به الدعوة وأذوق حلاوتها؟
الحمد لله والصلاة والسلام على سيد الناس وإمام الدعاة وقائد الهُداة، وبعد:
فإنّ ما تشعر به -أيها الداعية الكريم- هو مرحلة يمر بها كثير من أهل الدعوة والعلم، ولا تعني بالضـرورة أنك فقدت روح الدعوة أو أخلصت أقلّ مما كنت، بل قد تكون علامة نضج تنتقل فيها من مرحلة الحماس العاطفي إلى مرحلة الوعي العميق والاتزان العملي.
مفاتيح عملية لعلاج الفتور
واعلم بأنّ الفتور الدعوي يشبه مرحلة الخمول التي تصيب العضلات بعد مجهود متواصل، فهي لا تعني الضعف؛ بل حاجة إلى تجديد الطاقة بطريقة مختلفة، ولذا دعني أضع أمامك بعض المفاتيح العملية لعلاج تلك الحالة، وذلك على النّحو التالي:
1) أعد تعريف علاقتك بالدعوة: ليست الدعوة سباقًا في النشاط ولا عدد المحاضرات والخطب، بل هي عبودية لله بأوسع معانيها. حين تستحضـر هذا المعنى، يتحول الفتور من شعور بالذنب إلى محطة مراجعة وتجديد.
2) راجع نيتك بصدق: قد يتسلل الرياء أو حب الظهور دون أن تشعر، فيُطفئ حرارة الإخلاص الأولى. اجلس بينك وبين الله جلسة صفاء، واسأله أن يعيد إليك تلك اللذة التي لا تُشترى.
3) غيّر بيئتك الدعوية: أحيانًا تحتاج إلى الانتقال من أسلوب إلى آخر: من الخطابة إلى الحوار، من التدريس إلى الكتابة، من الوعظ العام إلى التربية الفردية. والتنوع ينعش الروح ويكسر الرتابة.
4) صاحب من يذكّرك بالله لا بنفسك: رفاق الطريق لهم أثر كبير؛ فاختر من الدعاة والأصدقاء من يشعرك بالقرب من الله لا بالمنافسة أو المقارنة.
5) انظر إلى الدعوة بعين الرحمة لا التكليف الثقيل: إذا حملت همَّ هداية الناس بقلبٍ رحيم، فستجد لذة الدعوة تعود شيئًا فشيئًا.
6) احذر من الانغلاق داخل الدور الدعوي: اقرأ في مجالات جديدة، اجلس مع الناس البسطاء، شارك في أنشطة إنسانية، سافر لمكان جديد، كل ذلك يبعث الحياة في قلب الداعية ويذكّره برسالة الإسلام الواقعية الشاملة.
7) خلوة صادقة تعيدك إلى الأصل: خذ يوماً أو يومين كل فترة لتعتزل ضجيج الحياة، تقرأ القرآن بتمعن، وتبكي بين يدي الله، وتستعيد معنى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:108].
وختامًا: تذكّر أن الدعوة ليست عملاً آنيًّا مؤقّتًا؛ بل رحلة عمر، تمر فيها بمراحل: شوق، اندفاع، تعب، ثم رسوخ وثبات، وأنّ الفتور ليس نهاية الرحلة بل منتصفها، ومن اجتازه بوعي ازداد نورًا وعمقًا.
وأسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد..
روابط ذات صلة:
كيف أستعيد دفء الدعوة من جديد؟
حين يُصاب الداعية بالفتور وضعف الهمة
فاقد للحماس والنشاط الدعوي.. فهل أستمر؟