الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
47 - رقم الاستشارة : 4034
04/02/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا طالبة في السنة النهائية بكلية الشـريعة، وألاحظ أن بعض زميلاتي -وحتى بعض الدعاة على وسائل التواصل- يعتمدون على برامج مثل Chat GPT للإجابة على أسئلة فقهية مباشرة، مثل أحكام الطهارة والصلاة والمعاملات المالية.
بل إن بعضهم يقدم "فتاوى" مأخوذة مباشرة من الذكاء الاصطناعي دون مراجعة. هذا الأمر يقلقني، لأننا ندرس سنوات طويلة لفهم الأدلة وطرق الاستنباط والترجيح، بينما هذه البرامج تقدم إجابات جاهزة في ثوان.
سؤالي: هل يعتبر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الفتوى جائزًا؟ وإذا كان لا يجوز، فما هي حدود الاستفادة منه في المجال الفقهي؟ وكيف يمكن للطالبة مثل أن تستفيد منه دون الوقوع في المحظور؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أختي الكريمة، وسدد خطاك في طلب العلم. وسؤالك في غاية الأهمية، وهو يعكس فهمًا عميقًا لخطورة الفتوى ومكانة العلماء.
والجواب القاطع اختصارًا: لا، فالذكاء الاصطناعي لا يمكن ولا يجوز أن يحل محل العلماء في الإفتاء، ولا أن يُعتمد عليه في ذلك.
ولعلنا نفصل القول في بيان التالي..
الأسباب:
1) الفتوى ليست مجرد معلومات: الفتوى عملية معقدة تقوم على: فهم النص الشـرعي، وإدراك مقاصد الشـريعة، ومعرفة الواقع وأحوال الناس، ومراعاة العرف والسياق، والترجيح بين الأدلة المتعارضة، والنظر في المآلات. هذه العمليات العقلية والقلبية لا يمتلكها الذكاء الاصطناعي.
2) نقص الفهم المقاصدي: الذكاء الاصطناعي يتعامل مع النصوص كبيانات لغوية، دون فهم للمعاني المقاصدية التي هي روح الشـريعة. مثلاً: قد يعطي حكمًا نصيًّا صحيحًا لكنه يؤدي في واقع معين إلى ضرر، لأنّه لا يفقه قاعدة "جلب المصالح ودرء المفاسد".
3) غياب المسؤولية الشـرعية: المفتي يُسأل بين يدي الله عن فتواه. فالفتوى أمانة ومسؤولية. الذكاء الاصطناعي لا يتحمل مسؤولية، ولا يُسأل يوم القيامة.
ومن ثمّ فإليك اختصارًا بيان حدود الاستفادة منه في المجال الفقهي:
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مساعدًا بحثيًّا ممتازًا، لكن ضمن هذه الضوابط:
ـ جمع المعلومات الأولية: مثل: "ما هي أقوال العلماء في مسألة تأخير القضاء عن أداء الصلاة؟" لكن لا تأخذي الترجيح النهائي منه.
ـ تلخيص الآراء الفقهية: يمكنه تلخيص رأي المذاهب الأربعة في مسألة معينة بسرعة.
ـ تنظيم المراجع: يمكنه مساعدتك في إعداد قائمة بكتب الفقه التي تناولت موضوعًا معينًا.
ـ صياغة الأسئلة الفقهية: يمكنه مساعدتك في صياغة السؤال الفقهي بشكل دقيق قبل أن تطرحيه على شيخك.
وتلك نصيحة عملية لكِ أيتها الطالبة الكريمة:
1) اعتبريه مكتبيًّا سريعًا: خذي منه الفهرس الأولي، ثم اذهبي إلى الكتب الأصلية.
2) لا تطلبي منه الترجيح: الترجيح يحتاج إلى نظر المجتهد، وهو لا يملك آليات الاجتهاد.
3) استخدميه في المذاكرة: مثلاً: اطلبي منه أن يصمم لك اختبارًا ذاتيًّا في مادة الفقه، أو أن يلخص لك باب الطهارة في كتاب معين.
4) كوني ناقدة: كل معلومة يقدمها، تحققي منها من المصادر المعتمدة. تذكري قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وأهل الذكر هم العلماء الراسخون، وليس الآلات الإلكترونية.
وختامًا:
ـ ابنتي الكريمة، العلم الشـرعي تلقٍ وتربية، وتحصيل وتهذيب.
ـ والذكاء الاصطناعي قد يوفر لك المعلومة، لكنه لا يعطيك الفقه، ولا يورثك الحكمة، ولا يبني فيك ملكة الاستنباط.
ـ استمري في التلقي عن المشايخ، والدراسة في حلقات العلم، والمطالعة في الكتب الأصيلة.
ـ اجعلي الذكاء الاصطناعي خادمًا لبحثك، لا سيدًا على فتواك.
وأسأل الله أن يرشدك للأسلم والأحكم والأرشد دائمًا، وأن يوفقك لما يحبه ويرضاه.
روابط ذات صلة:
حكم استعمال الذكاء الصناعي في طلب الفتوى
هل تحل منصات الذكاء الاصطناعي محل مجامع الفتوى؟
دار الذكاء الاصطناعي.. فتاوى بلا مُفتٍ!
منهج التعامل مع الذكاء الاصطناعي في الحقل الشرعي.. من الحكمة إلى التطبيق