كيف نصنع حياتنا على هدي النبي ﷺ؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 212
  • رقم الاستشارة : 3158
01/11/2025

يقول البعض: "اصنع حياتك بصمت، دون استشارة أحد، عش سعيدًا ولا تخبر أحدًا… فالناس يفسدون الأشياء الجميلة". – جبران خليل جبران.

وأنا أتساءل: هل نصح النبي محمد ﷺ مثل هذا؟ هل كانت حياته هكذا، صامتة ومعزولة عن الآخرين، أم كانت مليئة بالمودة، النصيحة، والمشاركة في الخير؟

صار بعض الناس يتمسكون بقول الفلاسفة، رغم أن عقيدتهم ومنهجهم في الحياة مخالف لديننا الإسلامي. كيف يتبعون حكم غير المسلمين ويخالفون منهج النبي محمد ﷺ؟

السؤال: كيف يمكننا أن نتعلم من حياة النبي ﷺ وسلم ونطبق المنهج الإسلامي الصحيح، دون أن ننقاد وراء أقوال الفلاسفة التي قد تضرنا أكثر مما تنفعنا؟

الإجابة 01/11/2025

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعد:

 

فمرحبًا بالسائل الكريم، وشكر الله لك غيرتك على سنة نبيك ﷺ، وحرصك على التمييز بين منهج النبوة وهدي الفلاسفة، فهذا السؤال ينبئ عن وعيٍ صادقٍ وفهمٍ راقٍ لمعنى الاتباع الحقّ.

 

الإسلام دين توازن واعتدال

 

واعلم بأنّ الإسلام دين توازن واعتدال، لا يرفض الحكمة حيثما كانت، ولكنه لا يقبل أن تكون بديلاً عن الوحي الإلهي. فالعاقل هو من يُميّز بين كلام البشر المجرّد وبين نور النبوة الهادي الذي يهدي إلى سواء السبيل.

 

أما قول جبران خليل جبران: «اصنع حياتك بصمت، دون استشارة أحد»، فهو وإن بدا فيه دعوةٌ للسكينة، فإنه يخالف روح الإسلام التي قامت على المشاورة والمناصحة، وعلى التفاعل الإيجابي مع المجتمع لا الانعزال عنه.

 

لقد ربّى النبي ﷺ الأمة على الاجتماع والتعاون والمشاركة في الخير، وجعل من الصمت المطلق أو العزلة الدائمة سلوكًا مذمومًا إن أدى إلى ترك الواجبات أو قطع أواصر الأخوة.

 

قال الله تعالى مخاطبًا نبيَّه ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] وهو أمرٌ من الله إلى خير خلقه، مع أنه مؤيَّد بالوحي، ليكون منهجًا للأمة من بعده في التواضع والمشاركة.

 

الرسول نموذج فريد

 

وقد كان رسول الله ﷺ نموذجًا فريدًا في المشاركة الاجتماعية والتفاعل الإنساني... فانظر إليه قبل بعثته الشريفة، كيف كان عضوًا فاعلا نافعًا في مجتمعه، لم يكن يعيش في عزلة ولا سكون؛ بل كان حاضرًا في ميادين الفضيلة والمروءة:

 

* حضر حلف الفضول بمكة، نصرةً للمظلوم، وقال عنه بعد بعثته: «لقد شهدتُ مع عمومتي حلفًا في دار عبدالله بن جدعان، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» (رواه ابن إسحاق).

 

* شارك في بناء الكعبة المشرفة بيديه الشريفتين، يحمل الحجارة ويساعد في إعمار بيت الله الحرام.

 

* دافع عن بلده وأرضه في حرب الفِجار قبل النبوة، دفاعًا عن الحق والكرامة، إذ كان لا يرضى بالظلم ولا يقبل العدوان.

 

وبعد بعثته الشريفة، ظل ﷺ مخالطًا للناس، مشاركًا لهم أفراحهم وأتراحهم، ناصحًا لهم ومصلحًا بينهم؛ يصلح ذات البين، ويواسي المحزون، ويزور المريض، ويبتسم في وجه من يلقاه، ويقول: «تَبَسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقة».

 

كما كان ﷺ يسهم في إسعاد الناس بكل وسيلة؛ يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويقول عن المؤمنين: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (رواه مسلم). فحياته عليه الصلاة والسلام لم تكن صمتًا ولا عزلة، بل كانت حياة تفاعل وبذل، ورحمة ومودة، وحرص على إصلاح النفوس والمجتمعات.

 

وإن كل ما سبق يُثبت أن النبي ﷺ كان مشاركًا في المجتمع، ويخالط الناس، ويفرح معهم، ويتحمل عنهم، ويحلم عليهم، ويصرّح بحبه للبعض منهم، ويعلن روحه الطيبة بين الناس في الوجود معهم.

 

أما الفلاسفة الذين يدعُون إلى الصمت والانطواء والعزلة، فغالبهم ينظر إلى الحياة من زاويةٍ مادية أو نفسية محدودة، فترى منهم من يقول (الإنسان ذلك المجهول)، وتراهم لا يعرفون الإجابة عن الأسئلة المحيرة: (من أين جئنا؟ ولماذا جئنا؟ وإلى أين المصير؟)، بينما أطفالنا الصغار يستطيع أقل واحد منهم أن يجيب على ذلك.

 

كما أن الإسلام يجيب ويرفع عنا الحرج، كما يعلّمنا أن الخلطة في الخير خيرٌ من الانعزال عن الناس، وأن الصبر على أذاهم عبادةٌ تُرفع بها الدرجات. قال النبي ﷺ: «المؤمن الذي يُخالط الناس ويصبر على أذاهم، خيرٌ من الذي لا يُخالطهم ولا يصبر على أذاهم».

 

كيف نتعلّم من حياة النبي ﷺ؟

 

ومن هنا يأتي السؤال: كيف نتعلّم من حياة النبي ﷺ المنهج الصحيح؟

 

أوصيك أخي السائل الكريم بما يأتي:

 

1) نزن الأقوال والأفكار بميزان الوحي؛ فما وافق شرع الله أخذناه، وما خالفه تركناه.

 

2) نستشير أهل العلم والخبرة كما كان النبي ﷺ يشاور أصحابه في أمور الحرب والسِّلم.

 

3) نوازن بين الخلوة والخلطة؛ فخلوة العابد عبادة، وخلطة النافع رحمة.

 

4) نعيش مع الناس بالخلق الحسن، كما عاش النبي ﷺ بينهم، يُفرح قلوبهم ويواسي أحزانهم.

 

5) نجعل من حياتنا رسالة خير، نغرس فيها البسمة والنصيحة والعمل الصالح.

 

وختامًا أخي الكريم:

 

تذكّر أن الإسلام لا يدعو إلى الصمت الذي يُميت القلب، ولا إلى العزلة التي تُطفئ نور الإيمان، بل يدعو إلى حياةٍ متوازنةٍ، فيها خلوةٌ تعبّد القلب، وخلطةٌ تُنير الحياة.. فكن على أثر نبيك ﷺ، تشارك الناس في الخير، وتدفع عنهم الشر، وتغرس فيهم الأمل، تكن من ورثة النبوة العاملين.

 

ونسأل الله أن يفتح عليك بنور البصيرة، ويثبتك على المنهج النبوي، وأن يرزقك السعادة في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا جميعًا من المقتدين بسنة سيد الأولين والآخرين.

 

روابط ذات صلة:

كيف أجعل سيرة النبي ﷺ ملهمة لي في حياتي اليومية؟

الرابط المختصر :