التعامل مع النقد الإعلامي والمجتمعي للدعوة دون ضعف أو تصادم

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 130
  • رقم الاستشارة : 3394
24/11/2025

أنا (عبد الرحمن)، داعية شاب أعمل في إحدى الجمعيات الخيرية. أقيم برامج دعوية ميدانية وأستخدم وسائل التواصل، لكنني أواجه في الآونة الأخيرة حملات انتقاد وتشويه، بعضها من إعلاميين وبعضها من فئات في المجتمع ترى أن ما نقوم به "تشدد" أو "رجعية" وهذا يسبب لي إحباطًا أحيانًا، ويجعلني في صراع بين الاستمرار أو التراجع، وبين الرد أو الصمت.

والسؤال: كيف يمكنني التعامل مع هذا النقد بطريقة دعوية صحيحة لا تضعفني ولا تجعلني في مواجهة عدائية مع المجتمع؟

الإجابة 24/11/2025

مرحبًا بك أيها المبارك عبد الرحمن، بارك الله فيك وفي غيرتك على دينك، وثبّتك على طريق الدعوة، وسؤالك مهم جدًا؛ فالداعية في زماننا لم يعُد يواجه معارضات محدودة في دائرة ضيقة، بل يواجه بيئة إعلامية مفتوحة، تتعدد فيها المنابر، ويشتد فيها الهجوم، ويكثر فيها سوء الفهم. وهذا الواقع يحتاج إلى وعي، لا مجرد حماسة.

 

ويجب أولا أن تعلم أن هذا الطريق ليس طريقًا مفروشًا بالورود، بل هو طريق الأنبياء والدعاة من قبلنا. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: 112]، بل قال سبحانه في موضع آخر: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: 10]، فإذا كان هذا حال الأنبياء، فلا تستغرب أن تواجه نقدًا وتشويهًا. بل هذا في الحقيقة من علامات صدق السير في طريق الدعوة، لأن الطريق الخالي من العوائق قد لا يكون طريقًا للحق! وقد قال النبي ﷺ: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل) أي أن أشد الناس تعرضًا للابتلاء -ومنه النقد والاتهام والتهديد- هم أهل الحق.

 

والسؤال هنا: كيف تتعامل مع النقد الإعلامي والمجتمعي بحكمة؟

 

وأنصحك بالآتي:

 

1) افصل بين النقد الموضوعي والعدائي: فليس كل نقد موجه لك هو هجوم شخصي؛ بعضه قد يكون سوء فهم يمكن معالجته بلغة هادئة، وبعضه عداء حقيقي لا يُرد عليه إلا بالحكمة أو الصبر. فميز بينهما بعقل، لا بعاطفة.

 

2) لا تدخل في معارك جانبية تستهلك طاقتك: فليس من الحكمة أن يرد الداعية على كل من يهاجمه. قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. ردّك المحسوب والهادئ أقوى بكثير من انفعال صاخب يفرح به خصومك.

 

3) كن قدوة في الهدوء والرقي: فالناس لا تقتنع دائمًا بما تقول، لكنها تنظر كيف تتصرف. حين يرونك رزينًا، لا تنجر إلى المهاترات، تثبت صورتك كمصلح، لا كمهاجم.

 

4) ركّز على خطاب البناء لا الدفاع: فبدلًا من أن تظل ترد على كل اتهام، ركّز على إبراز المنجزات الدعوية الواقعية، والأثر الإيجابي في المجتمع. هذا يقنع الناس أكثر من الكلام.

 

5) استعن بفريق أو جهة مؤسسية: فلا تتحمل المواجهة وحيدًا؛ انتماؤك لجهة دعوية مؤسسية منظمة يحميك قانونيًا وإعلاميًّا ويعطيك مرونة في الرد.

 

6) استحضر نية الاحتساب: فإذا أوذيت في سبيل الدعوة، فلك في ذلك أجر عظيم، فكل نقد تتحمله بصبر وصدق يُرفع لك به درجات.

 

الموازنة بين الصبر والموقف

 

هناك مواقف يكون فيها السكوت حكمة، وهناك مواقف يجب فيها البيان.

 

O إن كان النقد يخصك شخصيًّا، فالسكوت غالبًا أفضل.

 

O وإن كان النقد يطعن في الدين أو يشوه الحق، فيجب الرد الحكيم بالعلم والهدوء، ومن جميل ما ورد عن الإمام الشافعي رحمه الله: (ما ناظرت أحدًا إلا أحببت أن يُظهر الله الحق على لسانه) هذه الروح العالية تبني، ولا تهدم.

 

وختامًا:

 

اجعل نواياك خالصة لله؛ فإن كان هدفك رضاه، فلن يؤلمك كلام الناس، ولا تحصر دعوتك في معارك إعلامية، بل انطلق في الميدان الحقيقي: التعليم، التربية، الإصلاح، وتذكر أن الله قال لنبيه ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 5].

 

وأسأل الله أن يثبتك على طريق الحق، ويقوّي قلبك على ما تلقاه من أذى في سبيله، وأن يجعل لسانك هاديًا مصلحًا، وأن يرزقك الحكمة في القول والعمل، وأن يجعل ما تلقاه من نقد سببًا لرفعة درجتك يوم القيامة.

 

 

روابط ذات صلة:

كيف أتخلص من حساسيتي تجاه النقد؟

ضوابط النقد الذاتي الدعوي بين الإصلاح والتشهير

الداعية في الجامعات بين التأثير والرفض الاجتماعي

الرابط المختصر :