تؤمن بوحدة الوجود.. كيف أحاورها وأحفظ ودها؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 187
  • رقم الاستشارة : 3628
20/12/2025

أنا أعمل في مؤسسة بها زميلة محترمة وطيبة الخلق، لكنها تتحدث دائمًا عن أن الله في كل مكان، وأن الإنسان جزء من الله، وتقول: (نحن نعبد الله فينا، لا خارِجَنا)، وتستشهد بكلمات لبعض المتصوفة مثل ابن عربي والحلاج. حاولتُ أن أفتح معها نقاشًا لكنّها تقول: (كل الأديان تتحدث عن نفس الحقيقة). لا أريد أن أقطع العلاقة، فهي إنسانة لطيفة، فكيف أحاورها دون خصومة أو جدال؟

الإجابة 20/12/2025

أحسنتَ أيتها الأخت الكريمة، فالسؤال الذي طرحته يدل على بصيرة متوازنة؛ لأن كثيرًا من الناس إما يهاجمون أصحاب الفكر الخاطئ فيغلقون القلوب، أو يتركونهم دون توضيحٍ فيزداد الغلط رسوخًا...

 

أنت الآن أمام حالة فكرية تجمع بين النية الطيبة والخلل العقدي، وهذه تحتاج إلى منهجٍ هادئٍ يعتمد على العقل والرحمة معًا.

 

دعينا نبدأ من الفهم قبل المواجهة.

 

الذين يتأثرون بفكرة وحدة الوجود -التي تقول إن الله والخلق شيء واحد أو إن المخلوقات تجلّيات لذات الله- لا يتبنونها عن كفرٍ مقصود، بل عن محبة غامضة لله لم يُرشِّدها علمٌ صحيح. إنهم يبحثون عن الإحساس بالقرب الإلهي، ولكنهم لم يفرّقوا بين القرب بالعلم والرحمة والاتحاد بالذات..

 

ولذا كان المنهج الصحيح في دعوتهم أن تُصحّح لهم الطريق لا أن تُحاكمهم مباشرة.

 

ابدئي معها بهذا الأسلوب العملي المتدرج:

 

1) التمهيد بالمشترك الإيماني: تحدثي عن الجمال الإلهي بلغة تُشبع الجانب الروحي الذي يجذبها: سبحان الله، فعلاً الإنسان يشعر بعظمة الخالق لما يرى رحمته في قلب الأم، ونوره في الهدى، ولا تُبادري بالرد المباشر على عباراتها الصوفية، بل اجعليها تشعر أنك تشاركينها في أصل الشعور: حب الله، والبحث عن القرب منه، والهدف هنا هو بناء جسر وجداني يمنعها من الشعور أنك خصم لعاطفتها، بل أنت مكمّلة لطريقها نحو الله.

 

2) التحريك بالسؤال لا بالتصحيح: قولي لها مثلًا: "أنتِ تقولين إننا جزء من الله، فهل الجزء يُعصى؟ وهل إذا كان الإنسان جزءًا من الله، كيف يُحاسَب؟" وهذا السؤال يزرع بذور التناقض الداخلي في الفكر دون أن تشعر بالتهديد.. يمكنك أيضًا أن تسألي: هل الله محتاج للعالم ليظهر جماله؟ أم أن العالم مخلوق يظهر قدرة الخالق؟ وهذه الأسئلة ليست جدلية، بل تأملية، تناسب النفس المتذوقة الروحية.

 

3) استثمار النصوص التي تُظهر التمايز بين الخالق والمخلوق: اختاري الآيات ذات البعد الجمالي لا الجدلي، مثل قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ويقول تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، ويقول سبحانه: (إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي) وقولي لها: "هذه الآيات فيها معنيان جميلان معًا: الله قريب بعلمه ورحمته، ومتعالٍ عن خلقه بصفاته، فسبحانه لا يشبه شيئًا ولا يحتاج شيئًا. ولا تقولي "أنتِ مخطئة"، بل اجعلي النص القرآني يُلهمها أن تراجع أفكارها دون صدام.

 

4) التفريق بين القرب الروحي والقرب الذاتي: استخدمي تشبيهات واقعية، فلو أن أُمًّا تحب ابنها وتراقبه طوال الوقت، هل تكون فيه؟ لا، لكنها قريبة من قلبه بعطفها، وهذا القرب أعمق من الوجود المادي"، أو قولي: "القرب الحقيقي أن يكون الله في قلبك بالإيمان، لا أن تكون أنت في ذاته، لأن الله أعظم من أن يحتويه مخلوق."

 

5) احكِي لها قصة توضح توازن المحبة والخشية، مثل قصة النبي ﷺ حين قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا)، أو قصة موسى عليه السلام حين سأل الله الرؤية، وهذه القصص تُبيّن أن حتى الأنبياء كانوا يشعرون بجلال الله وعظمته، ولم يتصوروا الاتحاد به، استعملي هذه القصص لتُريها أن الروحانية الحقة تُعلي الله لا تذوبه في المخلوق.

 

6) لا تحوّلي الحوار إلى مناظرة: فهدفك ليس أن تُسقطي حجتها بل أن تُوقظي ضميرها، وإن قالت عبارة منحرفة، لا تكرريها لتفنيدها بل أعيدي صياغتها بمعناها الصحيح وكأنك توافقينها على المقصد السليم منها، مثال: إذا قالت "الله فينا"، قل: "صحيح، الله قريب منا بعلمه ورحمته، يسمعنا ويهدينا، وهذا قرب أعظم من الوجود المادي"، بهذه الطريقة تُخرجينها من دائرة الخطأ دون أن تُحرجيها.

 

7) القراءة الهادية: بعد أن تشعري بانفتاحها لك، اقترحي عليها بلطف كتابًا أو مقطعًا صوتيًّا راقيًا. ولا تقولي "اقرئي هذا لتعرفي الخطأ"، بل قولي: "هذا الكتاب يتكلم عن المحبة الإلهية بطريقة عميقة جدًا، أظنك ستجدين فيه ما تبحثين عنه".

 

8) الصبر وطول النفس الدعوي: مثل هذه القناعات لا تزول بين يوم وليلة، لأنها ليست مجرد فكرة عقلية بل حالة وجدانية، فاصبري على التكرار، ولا تُظهري استعجالك، فالهداية تحتاج زمنًا لينضج الشعور ويصفو الإدراك، إذا لاحظت منها ميلًا للحق أو تساؤلًا جادًّا، فكوني معها بلغة الشكر: "سعيدة أنك تتأملين، هذا دليل صدق بحثك".

 

9) احذري أن يُخدَش الودّ الإنساني: مهما اختلفت مع فكرها، حافظي على علاقتك بها بلطف وابتسامة. لأن الموقف الإنساني هو مفتاح القبول الدعوي، ولا تتحدثي عنها مع الزملاء الآخرين، ولا تُظهري الغيرة الدينية في شكل توبيخ أو سخرية، فذلك يُغلق الأبواب.

 

10) أنت الآن داعية لا مُجادلة: لا تُحمّلي نفسك مسؤولية النتيجة، فالهداية بيد الله، ومهمتك أن تضعي بذور التساؤل الصحيح، وترويها باللطف والاحترام، وتتركيها تنبت بقدر الله، وتذكّري أن الله يُحب الداعية الذي يُلهم الناس الحب الصحيح لا الخوف الأجوف، ويهدي القلوب بالحكمة والرحمة قبل البرهان والمنطق.. ومتى وجدت منها بصيص تراجع، فاعلمي أن الله فتح بابًا في قلبها، فاثبتي على اللين، واستمري على النصح الجميل، فالهداية غالبًا تولد من رحم الحوار الصادق لا من معركة فكرية.

 

وأسأل الله تعالى ختامًا أن ينفع بك دومًا، وأن يستخدمك في مرضاته..

 

روابط ذات صلة:

التشيع والشيوعية ووحدة الوجود

الرابط المختصر :