الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
9 - رقم الاستشارة : 4339
10/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية أعمل في محيط متنوّع، وأواجه أشخاصًا يصعب التعامل معهم دعويًّا: أحدهم جدليٌّ مستفز، والآخر متعالم لا يسمع إلا نفسه، وثالث سـريع الغضب، وكلما حاولت نصحهم أو دعوتهم شعرت بالإنهاك وربما النفور.
أحيانًا أقول في نفسـي: هل الخطأ فيهم أم في أسلوبي؟ وهل أُؤجر على الصبر عليهم أم الأفضل تركهم؟ كيف نتعامل مع هذه الشخصيات دون أن نخسـر دعوتنا أو أنفسنا؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها الداعية الكريم، وجزاك الله عن نيتك وصدقك خير الجزاء، واعلم أولًا أن سؤالك ليس علامة ضعف دعوي، بل دليل وعيٍ ونضجٍ ومنهجيةٍ في فهم طريق الدعوة.
إنَّ الشخصيات الصعبة ليست طارئة على طريق الدعوة، بل هي جزء أصيل من سننها، وقد واجهها النبي ﷺ بنفسه، لا بوصفه نبيًّا فحسب، بل مربّيًا وقائدًا وداعيةً إلى الله.
أولًا: تصحيح المفهوم الدعوي؛ فليس المطلوب من الداعية أن يُغيّر كل الناس، وإنما أن يُبلّغ بالأسلوب الأقوم. قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21–22]؛ فنجاح الدعوة ليس دائمًا في الاستجابة، بل في سلامة المنهج.
ثانيًا: فهم أنماط الشخصيات قبل مواجهتها: وإنّ الهدي النبوي علّمنا أن الناس يُخاطَبون على قدر عقولهم وطبائعهم، فليس كل عناد كفرًا، ولا كل جدال سوء نية، فالجدليّ يُحتاج معه إلى تقليل السجال والتركيز على المسلّمات، والمتعالم يُحاصَر بالأسئلة لا بالمعلومات، وسـريع الغضب يُؤجَّل معه الخطاب حتى تهدأ النفس، كما قال ﷺ: (لا تغضب).
ثالثًا: التفريق بين الصبر الدعوي والاستنزاف النفسـي؛ فالصبر مأجور، لكن الاستنزاف ليس عبادة. وقد كان النبي ﷺ أحيانًا يُعرض عن بعض الناس، أو يُغيّر أسلوبه، أو يختصـر كلامه، رحمةً بنفسه وبالدعوة. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127]؛ فالصبر بالله لا بالنفس وحدها.
رابعًا: تحويل الشخصيات الصعبة إلى رصيد أجر؛ فحين تستحضـر أن الله اختارك لتُبتلى بهذا المدعو، وأنك تُعامل الله قبل أن تُعامل الناس، يتحوّل التعب إلى عبادة، والخذلان إلى أجر مؤجَّل. وقد قال ﷺ في أذى قريش: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
خامسًا: نصائح عملية مختصرة للداعية في هذا الباب
* لا تجعل كل معركة دعوية شخصية.
* غيّر الوسـيلة إن استعصت النتيجة.
* احفظ قلبك من القسوة بحسن الظن.
* اعلم أن بعض الناس يُفتح لهم بغيرك، وأنت مأجور غير مأزور.
وفي الختام، أسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يجعل دعوتك نورًا لا احتراقًا، وأجرك موصولًا لا منقطعًا، وأن يرزقك فقه النبي ﷺ في الناس، وحكمة الدعوة، وسكينة الطريق.
روابط ذات صلة:
كيف تعامل الرسول مع الشخصيات المختلفة؟