أشعر بالفتور الدعوي.. فقدت الإخلاص أم مرحلة طبيعية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 158
  • رقم الاستشارة : 3627
20/12/2025

كنت في بداياتي الدعوية ممتلئًا بالحماس، أتحدث للناس بدمعٍ وحرارة، وأتحرك في ميادين الخير بحيويةٍ لا تعرف الكلل، ثم بدأت أشعر بشيء من البرود: الكلمات لا تؤثر فيّ كما كانت، والأنشطة التي كانت تملأ قلبي بهجة صارت عادية، أحيانًا ألوم نفسي وأقول إنني فقدت الإخلاص، وأحيانًا أقول: ربما انتهى شغفي، فهل هذا الفتور علامة ضعفٍ في الإيمان أم مرحلة طبيعية؟ وكيف أستعيد روحي من جديد؟

الإجابة 20/12/2025

أخي الحبيب، ما أجمل هذا الصدق مع النفس، وما أروع أن يقف الداعية أمام ذاته وقفة محاسبةٍ راقية، فهذه الشفافية أول درجات تجديد الطريق، واعلم أن ما تمرّ به ليس سقوطًا في الهمة؛ بل تحوّلًا في المرحلة.

 

ولذا إليك الآتي:

 

أولًا: افهم سنة الله في القلوب

 

القلوب كالأرض، تزرعها وتثمر، ثم تحتاج إلى استراحة لتجدد تربتها.. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل عمل شِرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى)، أي: من كانت فترته عودةٌ إلى التوازن لا إلى المعصية، فهو على خير.. إذن لا تخف م الفتور، ولكن خف أن يصبح اللفتور اعتيادًا لا استراحة.

 

ثانيًا: تذكّر أنك لست آلةَ إنتاج بل روحَ عبادة

 

الدعوة ليست سلسلة أنشطةٍ أو أرقامًا تُجمع، بل رحلة قلبٍ إلى الله عبر الناس، ربما أراد الله أن يوقفك قليلًا لتراجع الاتجاه، هل كنت تتحدث عنه أم عن نفسك؟ هل كان رضاك بالتصفيق أكثر من رضاك بالقبول عنده؟

 

فإذا وجدت في نفسك شيئًا من الرياء أو حبّ الظهور، فاحمد الله أنه كشف لك ذلك في وقتٍ لا في موقف الحساب.

 

قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: رُبّما فتح لك بـاب الطاعة وما فتح لك باب القَبول، ورُبّما قضى عليك بالذنب فكان سببًا في الوصول.. أي أن الفتور أحيانًا باب تنقيةٍ لا باب انتكاس.

 

ثالثًا: جدّد الوقود لا الطريق

 

ما يتعب الداعية غالبًا ليس الدعوة ذاتها، بل الروتين الروحي فيها.. تعود على نفس الأسلوب، نفس الجمهور، نفس الإطار، حتى تفقد الكلمة دفئها.. فجدّد أدواتك، غيّر زاوية خطابك، تعلّم شيئًا جديدًا، أو شارك في ميدانٍ لم تخُضه من قبل، فإن كنت تلقي محاضرات، فجرّب إعداد مقاطع قصيرة للناشئة، وإن كنت تعظ في المساجد، فادخل تجربة فردية مع طالب أو شاب صغير، وإن كنت تكتب، فابدأ سلسلة تأملية تكتبها لنفسك لا للنشـر، فالروح تتجدد حين تُفاجأ بشيءٍ جديد يخدم الهدف ذاته.

 

رابعًا: عد إلى الخلوة الأولى

 

تذكّر أول مرة وقفت فيها تدعو، أو أول لحظة بكيت فيها وأنت ترى أحدهم يتأثر بكلمة منك، فعُد إلى تلك الذكرى، فهي الينبوع الذي أخرج الماء أول مرة، ثم اجعل لنفسك موعدًا أسبوعيًّا لا يسمعك فيه أحد: اعتكاف نصف ساعة، أو جلسة على السجادة بلا أوراق ولا هواتف.. قل فيها: اللهم اجعل دعوتي لك لا بي، واجعلها سبيلاً إليك لا إلى نفسي.. هذه الخلوة هي غرفة الشحن التي تُعيدك كما كنت وأنقى.

 

خامسًا: افتح نافذة التأمل بدل نافذة الإنتاج

 

بعض الدعاة يُنهكون أنفسهم في الخروج الدائم، حتى يجفّ المعين الداخلي. دعوة بلا تغذية روحية كمن يسقي الناس من بئرٍ يجفّ كل يوم. اقرأ القرآن ببطءٍ جديد، لا لوعظ الناس بل لتسمع الله يخاطبك أنت.

 

أعد النظر في سير الصحابة لا كقصصٍ بل كدروس إنسانية. كيف بكى عمر رضي الله عنه من آيةٍ واحدة؟ وكيف استعاد بلال إيمانه بعد فتور المدينة؟ هذه النماذج تُعيد حرارة الصدق إلى روحك.

 

سادسًا: صحّح مفهوم النجاح الدعوي

 

 

ليس النجاح أن يكثر المستمعون، بل أن يبقى الله في قلبك حاضرًا كلما دعوت. ولذلك قال ابن القيم: الناس يمدحون الواصلين، والله يحبّ الصادقين في السعي وإن لم يصلوا بعد.. فكن صادقًا في المحاولة، واترك الثمرة له.. فأحيانًا يريد الله منك أن تُتمّ مرحلة البذل، لا أن تحصد الثمار.

 

سابعًا: رفقًا بنفسك أيها الداعية

 

لا تقسُ عليها باسم الإخلاص، فالله لا يريد منك الكمال بل الثبات، فالفتور الذي يأتي بعد إخلاصٍ طويل هو دعوة للرحمة بالنفس لا للعتاب الدائم. فاغفر لنفسك ضعفها، وتذكّر أن الله يفرح بتوبتك حتى من فتورك.

 

وختامـًــا:

 

تذكّر أن الدعوة ليست سباقًا في طول الطريق، بل سيرًا مستمرًا نحو الله مهما بطؤ الخطى. احمده أنه لا يزال يُلهمك القلق من الفتور؛ لأن القلق من البعد هو في ذاته قرب.. فامضِ على الطريق بنفسٍ جديدة، وقل في ختام كل يوم: اللهم إن دعوتي إليك تعبّر عني أكثر مما أنطق، فاقبلها بقدر صدقي لا بقدر عملي. وأسأل الله -تعالى- أن يكتب لك التوفيق دائمًا.

 

روابط ذات صلة:

حين يُصاب الداعية بالفتور وضعف الهمة

فاقد للحماس والنشاط الدعوي.. فهل أستمر؟

الرابط المختصر :