غسل الجمعة بين الاستحباب والوجوب

Consultation Image

الإستشارة 01/01/2026

هل غسل الجمعة واجب، فلا تصح الجمعة إلا  به، أم أنه مستحب فقط وما الأدلة على ذلك ؟

الإجابة 01/01/2026

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فالرأي الراجح لدى جمهور الفقهاء أن غسل الجمعة مستحب خلافًا للظاهرية ورواية عند الحنابلة، وكثير من الأحاديث النبوية تدل على ذلك، وحمل جمهور الفقهاء الأحاديث التي يفهم منها الوجوب على تأكيد الاستحباب وليس الوجوب الشرعي الذي يأثم تاركه، أو تبطل صلاة الجمعة بسبب تركه.

 

وعلى المسلم أن يأخذ زينته عند كل مسجد كما أمر الله تعالى، ولا يؤذي الناس برائحته، خاصة في الأماكن الحارة، أو مع الرجال الذي يعملون أعمالاً شاقة تجعل العرق يتصبب من أجسادهم ويختلط بملابسهم فيؤذون الناس برائحة العرق، فلا ضرر ولا ضرار، يقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].

 

اختلاف العلماء في غسل الجمعة

 

اختلف أهل العلم في حكم غسل الجمعة، وانقسموا في ذلك إلى فريقين رئيسين:

 

الرأي الأول: جمهور العلماء يرون أنه سُنّة مؤكدة ومستحب.

 

وهذا هو قول جماهير العلماء من المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. حجتهم في ذلك أن الغسل وإن أُمر به في بعض الأحاديث بصيغة قد تبدو واجبة، إلا أن هناك أدلة أخرى تبيّن أن هذا الأمر ليس على سبيل الفرض والإلزام الذي يأثم تاركه. ومن أقوى أدلتهم:

 

1- حديث "من توضأ فالغسل أفضل": عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ" (رواه الترمذي وحسّنه). قالوا: هذا الحديث صريح في التفريق بين الوضوء والغسل، وجعل الغسل أفضل، مما ينفي وجوبه، إذ لو كان واجبًا لما أجزأ الوضوء.

 

2- حديث "من توضأ فأحسن الوضوء": عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ" (رواه مسلم). وجه الدلالة هنا أن النبي ﷺ رتّب المغفرة على الوضوء، ولو كان الغسل واجبًا لا يصح بدونه لما اكتفى بذكر الوضوء.

 

3- قصة عمر وعثمان رضي الله عنهما: بينما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب يوم الجمعة، دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال له عمر: "أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟" فقال عثمان: "إِنِّي شُغِلْتُ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ". فقال عمر: "وَالْوُضُوءُ أَيْضًا؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ؟" (متفق عليه).

 

وقد استدل العلماء بأن عمر لم يأمر عثمان بالخروج للاغتسال، وعثمان لم يرجع، وحضر الجمعة جمع من الصحابة ولم ينكروا عليه، فدل هذا على أن الأمر بالغسل كان للاستحباب وتأكيد الفضيلة لا للوجوب.

 

4- سبب الأمر بالغسل: ورد في حديث عائشة رضي الله عنها: "كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالْعَوَالِي، فَيَأْتُونَ فِي الْغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ الْعَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا" (متفق عليه). ففهموا من هذا أن الأمر كان مرتبطًا بالنظافة وإزالة الروائح الكريهة التي قد تؤذي المصلين، وهذا يؤكد جانب الاستحباب.

 

الرأي الثاني: من أهل العلم من يرى أنه واجب

 

وهذا قول أهل الظاهر، وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، واختاره بعض العلماء المحققين. حجتهم في ذلك قوة الأحاديث التي وردت بصيغة الأمر والوجوب، ومنها:

 

1- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" (متفق عليه). قالوا: كلمة "واجب" هنا صريحة في الفرضية، ولا يصح صرفها عن ظاهرها إلا بقرينة قوية.

 

2- حديث الأمر الصريح: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (متفق عليه). وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب.

 

كيفية التوفيق بين الأدلة

 

جمع جمهور العلماء بين هذه الأحاديث بأن حملوا الأحاديث التي فيها صيغة "واجب" على تأكيد الاستحباب، لا على الوجوب الشرعي الذي يأثم تاركه. فالعرب قد تستخدم كلمة "واجب" بمعنى "متأكد" أو "حق"، كقولك: "حقك عليّ واجب".

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

سنن الجمعة وآدابها

حكم صلاة الجمعة إذا وافقت عيد الفطر أو الأضحى

غسل يوم الجمعة.. وقته وأجره

حكم صلاة الجمعة لمن يصاب بالفيروسات المعدية؟

الأذان الثاني في الصلاة وما يترتب عليه من أحكام

حكم رفع اليدين عند الدعاء في الجمعة وغيرها

الرابط المختصر :