الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
24 - رقم الاستشارة : 5313
13/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا أم لطفل يبلغ من العمر عامين وشهرين، وهو طفلي الأول، ولذلك أشعر أنني ما زلت أتعلم كيف أتعامل معه.
ابني ذكي جدًا، ويحفظ بعض الكلمات، ويحب الاستكشاف، لكنني أصبحت أشعر بالإرهاق من تصرفاته اليومية. فهو يريد أن يلمس كل شيء، ويصعد فوق الأثاث، ويخرج محتويات الأدراج، وإذا منعته بكى بصوت مرتفع، وأحيانًا يرتمي على الأرض ويصرخ، حتى لو كنت في مكان عام.
المشكلة أنني عندما أقول له: "لا"، ينظر إليَّ ويبتسم، ثم يعيد الفعل مرة أخرى، وكأنه يتعمد مخالفة كلامي. وأحيانًا يضحك عندما يراني غاضبة، فأشعر أنه يستهزئ بي، وهذا يغضبني أكثر.
بدأ بعض الأقارب يقولون لي: "إذا لم تحزمي أمرك من الآن فسيصبح عنيدًا ولن تستطيعي السيطرة عليه"، بينما تقول والدتي: "هذا طبيعي، وسيكبر ويتغير".
أصبحت محتارة بين الشدة واللين، وأخشى أن أفسد تربيته دون أن أشعر.
فهل ما يفعله طبيعي؟ وكيف أتعامل معه بطريقة صحيحة دون صراخ أو ضرب؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
أيتها الأم الصغيرة..
بداية اطمئنك: فما وصفته لا يدل -في الغالب- على أن طفلك
عنيد أو سيئ التربية، بل يدل على أنه يمر بمرحلة طبيعية جدًّا من مراحل النمو.
وأطمئنك أيضًا إلى أن كثيرًا من الأمهات يفسرن سلوك
الطفل في هذا العمر بعقلية الكبار، فيظن هؤلاء الأمهات أنه يتحدى أو يعاند أو
يستفز، بينما الحقيقة أن الطفل لا يفكر بهذه الطريقة أصلًا؛ لذلك، فإن فهم طبيعة
هذه المرحلة هو نصف العلاج.
أولًا: ماذا يحدث لطفلك في هذا العمر؟
في عمر العامين يبدأ الطفل في تكوين شخصيته، ويكتشف أنه
كائن مستقل عن والديه، وله رغبات واختيارات.
ويصف علماء النفس هذه المرحلة بأنها بداية Autonomy، أي
الاستقلالية، وقد أشار إليها عالم النفس إريك إريكسون، حيث يسعى الطفل إلى تجربة
قدراته، واتخاذ قراراته البسيطة، واختبار حدود البيئة المحيطة به.
ولهذا فهو لا يقول لك بلسان حاله: "سأعاند
أمي"، وإنما يقول: "أريد أن أجرب بنفسي".
ثانيًا: لماذا يكرر الخطأ بعد أن تنهاه؟
لأن عقل الطفل في هذا العمر لا يعمل بالطريقة التي يعمل
بها عقل البالغ.
فعندما تقولين له: "لا تفتح الدرج"، فإن الشيء
الذي يلفت انتباهه هو الدرج نفسه، لا كلمة "لا".
كما أن ذاكرته التنفيذية ما زالت في بدايات نموها، ولذلك
يصعب عليه كبح اندفاعه أو مقاومة فضوله.
ولهذا فإن تكرار السلوك لا يعني قلة احترامه لك، وإنما
يعني أن قدرته على ضبط نفسه ما زالت محدودة.
ثالثًا: لماذا يضحك عندما تغضبين؟
هذه من أكثر الأمور التي تقلق الأمهات.
لكن في أغلب الأحيان لا يكون الضحك سخرية، وإنما استجابة
انفعالية ناتجة عن التوتر، أو لأنه لا يفهم سبب تغير تعبيرات وجهك وصوتك.
وأحيانًا يضحك لأنه يحاول لفت انتباهك، أو لأنه وجد أن
رد فعلك مختلف عن المعتاد. لذلك لا تبني على هذا الضحك استنتاجًا بأنه يتعمد
استفزازك.
رابعًا: هل الصراخ والعناد طبيعيان؟
نعم، وإلى حد كبير.
فالطفل في هذا العمر لا يمتلك بعد مهارة Emotional Regulation، أي تنظيم
الانفعالات.
وعندما يشعر بالغضب أو الإحباط، لا يستطيع أن يقول:
"أنا منزعج"، فيعبر عن ذلك بالبكاء أو الصراخ أو الارتماء على الأرض.
وهنا يكون دور الوالدين هو تعليمه هذه المهارة تدريجيًّا،
لا معاقبته لأنه لم يولد بها.
قال رسول الله ﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا
نُزع من شيء إلا شانه»؛ فالرفق ليس ضعفًا، بل هو أسلوب تربوي يصنع طفلًا أكثر
اتزانًا وأمنًا نفسيًا.
خامسًا: متى نقلق؟
إذا كان الطفل لا يستجيب إطلاقًا لاسمه، أو لا يتواصل
بصريًّا، أو لا يحاول استخدام كلمات مناسبة لعمره، أو يفقد مهارات سبق أن اكتسبها،
فهنا يُستحسن عرضه على طبيب أطفال أو أخصائي نمو للاطمئنان.
أما ما ذكرتِه في رسالتك، فلا يشير بمفرده إلى وجود
مشكلة، بل ينسجم مع خصائص هذه المرحلة العمرية.
ولذلك سوف أقدم لك حبيبتي روشتة تربوية نفسية:
١- استبدلي بالمنع التوجيه..
بدلًا من كثرة كلمة "لا"، وجهيه إلى البديل
المناسب. فمثلًا: بدلًا من "لا ترمِ الألعاب"، قولي: "تعال نبني
بها برجًا"؛ فالطفل يتجاوب مع ما يفعله أكثر مما يتجاوب مع ما يُمنع منه.
٢- استخدمي التعزيز الإيجابي (Positive Reinforcement)..
عندما يلتزم بالتعليمات أو يتصرف بشكل جيد، امدحيه
فورًا. قولي: "أعجبني أنك رتبت ألعابك"؛ فالمدح المحدد يعزز السلوك
الصحيح أكثر من كثرة اللوم.
٣- ثم اجعلي التعليمات قصيرة
وواضحة..
فالجمل الطويلة تربك طفل العامين. استخدمي كلمات قليلة،
ونبرة هادئة، مع تواصل بصري، حتى يفهم المطلوب.
٤- اختاري معاركك التربوية..
وأي نعم أسميها معارك.. فليس كل تصرف يحتاج إلى تصحيح.
اسألي نفسك: هل هذا السلوك خطر؟ أم مجرد فضول طبيعي؟ فالإفراط في المنع يجعل الطفل
أكثر مقاومة.
٥- ثبتي القواعد بين جميع أفراد
الأسرة..
لأن الأب إذا منع شيئًا وسمحت به الأم، أو العكس، فسوف
يختلط الأمر على الطفل، ويزداد ارتباكه.
٦- كذلك امنحيه وقتًا للحركة
واللعب..
الطفل الذي يقضي يومه في الأوامر والنواهي، دون مساحة
للتفريغ الحركي، يصبح أكثر توترًا وصعوبة في التعامل.
* همسة أخيرة:
ابنتي الحبيبة.. لا تحاسبي طفلك على ما لم يكتمل نموه
بعد، ولا تتوقعي من طفل في الثانية من عمره أن يتصرف بحكمة رجلٍ ناضج.
واعلمي أن التربية ليست أن يكون الطفل هادئًا طوال
الوقت، وإنما أن يتعلم مع الأيام كيف يضبط مشاعره، ويحترم الحدود، ويشعر بالأمان
في حضن والديه.
كوني له معلمةً قبل أن تكوني مراقبة، وقدوةً قبل أن
تكوني معاقِبة، ورفيقةً في رحلة نموه قبل أن تكوني مصححةً لكل خطأ.
روابط ذات صلة:
طفلي عنيد.. هل دللته أم أفسدته؟!