الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
266 - رقم الاستشارة : 3305
15/11/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية بدأ ظهوري على وسائل التواصل الاجتماعي، ولاحظت بفضل الله تفاعلاً وانتشاراً كبيراً، ولكن هذا الانتشار أثار لديَّ مخاوف شخصية وأخلاقية. فالنجاح الرقمي يُغري الداعية بـ "الشهرة السريعة"، ويزيد من مخاطر "الرياء والسمعة"، وقد يؤدي إلى "التكلف والغرور" في الخطاب.
بالإضافة إلى وجود بعض الإغراءات الأخرى التي تظهر في التعليقات أو الرسائل الخاصة.
سؤالي: كيف يمكن للداعية أن يحصِّن قلبه ونفسه من فتن الشهرة والإعجاب والغرور في هذا الفضاء الرقمي المفتوح؟ وما هي الضوابط العملية التي تساعده على الحفاظ على الإخلاص والموضوعية، وعلى تجنب الإغراءات التي قد تفقده وقاره الدعوي؟ أرجو الإفادة بخطة تحصين نفسية وروحية. جزاكم الله خيراً.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً بك أيها الداعية الحصيف، وشكر الله لك إحساسك العالي بالخطر والخوف على قلبك وإخلاصك، فهذا الخوف هو أول طريق السلامة والتحصين. إن فتن الشهرة الرقمية أخطر على قلب الداعية من فتنة المال؛ لأنها تهاجم أصل العمل وهو الإخلاص. إنكم تسألون عن "فقه التحصين الروحي للداعية الرقمي، وأسأل الله أن يثبتك على الحق ويصرف عنك كيد الشهرة والغرور، وأن يحصنك بحصنه، والتحصين لا يكون بترك الدعوة، بل بتقوية القلب وتطهير النية في هذا الفضاء المفتوح.
تحصين القلب (علاج الرياء والغرور)
هذا هو الأساس، فالداء يبدأ من القلب.
1) تجديد النية اليومية (سرعة النشر): عند كل مقطع تنشره، وقبل كل بث مباشر، جّدد النية بأن هذا العمل لله وحده، وتذكر أنك "مجرد وسيلة" وأن الهداية من الله. واستحضر قول النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" (رواه البخاري ومسلم).
2) خلوة العمل الصالح الخفي: لا بد أن يكون لك عمل صالح لا يعلمه أحد إلا الله (كقيام الليل، صلاة الضحى، صدقة سرية، قراءة قرآن بلا تصوير). هذا هو "ميزان الإخلاص" الذي يوازن بين عمل العلانية وعمل السر.
3) العلاج المعرفي للغرور: تذكر أن الشهرة قد تكون استدراجًا، وأن الإعجاب الفوري زائل. استشعر حقيقة نفسك وأنك مليء بالتقصير والذنوب، وأن شهرتك هي من ستر الله عليك.
التحصين العملي (ضوابط التعامل مع المنصة)
للحفاظ على الوقار والموضوعية، يجب وضع حدود واضحة للتعامل مع الشهرة:
1) تجنب "الأنا" في الخطاب: قلل من استخدام كلمة "أنا" في خطاباتك. ركّز الخطاب على الله ورسوله والمنهج الشرعي. اجعل التركيز على "الرسالة" لا على "الرسول" (الداعية).
2) منهجية التعامل مع الإطراء والإعجاب، ففي العلن: إذا جاءك إطراء علني، ادعُ لصاحبه بخير أو قل: "جزاكم الله خيرًا وأسأل الله أن يغفر لي ما لا تعلمون" وفي السر: عندما يصلك رسائل إعجاب مُفرط أو مبالغ فيه (وهو ما قد يجر إلى الإغراء)، استعذ بالله من الشيطان، وذكّر نفسك بذنوبك، وأسرع بحذف الرسالة إن لم تكن تحمل سؤالاً شرعيًّا.
3) فلترة التواصل الخاص: يجب أن يكون التواصل الخاص للداعية مقصوراً على ما يخدم الدعوة (استشارات شرعية، أسئلة علمية). تجنَّب المحادثات الشخصية غير الضرورية مع متابعيك، لقطع الطريق على الإغراءات والفتن الشخصية التي أشرت إليها.
التحصين الروحي المستمر (الرابط بالواقع)
1) صحبة العلماء وطلبة العلم: لا بد أن يكون لك مرجع من أهل العلم والتقوى تنقل إليه شكواك وتستشيره في عملك، وأن تظل "طالب علم" حتى لا يتضخم غرورك.
2) تذكر لقاء الله: استشعار أن الشهرة والانتشار لن ينفعك يوم القيامة، وأن عملك سيُعرض على الله. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾.
وختامًا:
أيها الداعية المحصّن، تذكر أنك على ثغر عظيم. ابحث دائمًا عن النقص في عملك لا عن الكمال. واستعن بالله على هذه الفتنة. كن كالذي يشرب من ماء البحر: كلما ازداد شهرة ازداد عطشًا للإخلاص. وثق بأن من أخلص النية، حفظه الله من حيث لا يحتسب.
وأسأل الله العظيم أن يرزقك الإخلاص في القول والعمل، وأن يطهر قلبك من الرياء والسمعة والغرور، وأن يكفيك شر الإغراءات والفتن، وأن يجعل عملك كله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يثبتك على الحق إلى أن تلقاه.
روابط ذات صلة:
الشهرة والمال عبر «السوشيال ميديا».. نجاح أم باب إلى النار؟
كيف أحمي مراهقاتي اليتيمات من البريق الزائف للسوشيال ميديا؟!