الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
55 - رقم الاستشارة : 4099
11/02/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا شاب منَّ الله عليَّ بمتابعة واسعة عبر منصَّات التواصل الاجتماعي، وأحاول تسخيرها لنشـر العلم الشـرعي. لكنني بتّ في حيرة من أمري؛ فالواقع الدعوي الرقمي يعجّ بالتنازع، حيث أجد نفسـي أحيانًا منساقًا للتعصب لرأيي أو الرد بقسوة على دعاة آخرين اختلفوا معي في مسألة وسـيلة أو اجتهاد.
الأدهى من ذلك أنني أشعر بغصة كلما رأيت داعية آخر ينال قبولاً أكثر مني أو متابعات أوسع، مما يولد بداخلي مشاعر من "الغيرة" أخاف أن تحبط عملي. لقد بدأت أشعر بـ "الفشل" وانصـراف الناس عني بسبب هذا التوتر المستمر. كيف أخرج من هذا المأزق النفسـي والمنهجي دون أن أفقد أثري الدعوي؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحباً بك أيها الداعية الرقمي المسدد.
وإن ما تشعر به هو عين البصيرة، فاعترافك بالتعصب والغيرة هو أولى خطوات (الإصلاح) بـ(إزالة ما بين الدعاة من عداوة وقطيعة وإرجاع المودة بينهم). لقد وضعت يدك على جراح عميقة يعمل الإسلام على علاجها، وذلك من خلال المحاور التالية:
أولاً: فهم (داء التعصب الفكري) في الفضاء الرقمي: إن ما تعانيه من تحيز هو (التعصب الفكري)، وهو أن ينحاز الداعية لفكره وثقافته أو لقول شخص محدد غير الشارع، دون النظر في كونه صوابًا أو خطأ، إن هذا التعصب هو الذي (يطمس الحق) ويخرج الخلاف من دائرة المقبول إلى التعدي المذموم، وتذكر أن الشـريعة سمحت بوجود الاختلاف في أداء الطاعات لئلا ينفر الدعاة من بعضهم، وفي زمن النبوة قيل للمختلفين في قراءة آية: (كلاكما محسن، لا تختلفوا؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا). ولا تنس بأنّ التنازع الرقمي هو طريق الهلاك والفرقة.
ثانيًا: مواجهة (الحسد) بين الأقران: الحسد هو (تمني زوال النعمة عن الغير)، وهو يكثر للأسف بين الدعاة المتفقين في التخصص أو السن، خاصة حول (القبول لدى الناس وكثرة الأتباع). اعلم يا أخي أن الحسد هو (الحالقة)؛ ليس حالقة الشعر؛ بل هي الحالقة للدين لأنها تمنع فعل الخيرات وتحصيل العلوم والمحبة الكاملة في الله. إن من امتلأ صدره بالحسد والبغضاء حُرِم من (ذوق الطاعة) وحلاوة الدعوة.
ثالثًا: آثار التنازع التي تحاصرك: لقد أصبت حين شعرت بـ "الفشل"، وأنّ التنازع سبب رئيسـي للفشل وذهاب القوة (الريح) كما قال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}. ومن آثاره الوخيمة (انصـراف الداعية عن مهمته الأساسية) إلى الانشغال بالردود والمخاصمات. وهذا يُعطي (أثرًا سـيئًا جدًّا على المدعوين) الذين يرون فيكم القدوة وأفضل الناس.
رابعًا: المنهج المالي للإصلاح والعلاج، ويتمثل ذلك في الآتي:
1) الرد إلى الله ورسوله: اجعل الدليل هو الحاكم، لا عدد (الإعجابات) ولا هوى النفس.
2) العدل بين الناس: العدل هو من أفضل القربات، فأنصف من خالفك واعدل في القول عنه كما أمر الله.
3) التدرج في العلم والمجاهدة: طلب العلم الحقيقي مجهد ولا يُنال براحة الجسم، واجعل من علمك (حِصن حماية) لنفسك من نزغات الشيطان.
4) ترك الحسد والخوف من الله: أيقن أن القبول رزق من الله، واجعل همك (نيل مرضاة الله) بالإصلاح، فهو الذي يؤتي الأجر العظيم.
وأنصحك ختاما بالآتي:
* اجعل منبرك لـ (التوفيق والتأليف بالمودة)، وبادر بالثناء على زملائك الدعاة علنًا لكسـر حدة الحسد في نفسك وفي نفوس متابعيك.
* لا تنجرف خلف (التعصب الرقمي)؛ فإذا رأيت خلافًا، فكن (مسترشدًا مائلاً إلى الحق حيثما وجدته).
* تذكر أن (إصلاح ذات البين) هو صمام الأمان لدعوتك ونجاحك، وهو الذي يُظهر تماسك الأمة أمام العالم.
وفي نهاية جوابي أتوجه إلى الله تعالى بهذه الدعوات: اللهم طهر قلب السائل من الحسد، ولسانه من الفحش، وعمله من الرياء. اللهم ألّف بينه وبين إخوانه من الدعاة، واجعلهم يداً واحدة على من سواهم، وافتح لدعوته القلوب والعقول.
روابط ذات صلة:
كيف أتخلص من الغيرة والحسد تجاه نجاحات الآخرين؟
كيف أتعامل مع غيرة أقراني في مجتمع الدعوة؟
كيف نتعامل مع الاختلافات الفقهية والدعوية دون تمزق الصف الدعوي؟