الدعوة في الفضاء الرقمي بين التأثير والتشويه

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : الدعوة الإلكترونية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 198
  • رقم الاستشارة : 4078
09/02/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب أعمل في مجال الدعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أقدّم محتوى دعويًّا مرئيًّا ومكتوبًا، وأحرص على نشـر الخير والتذكير بالله. غير أنني أواجه إشكالات كثيرة؛ منها الهجوم والسخرية، وسوء الفهم، والاقتباس المبتور لكلامي، وأحيانًا استغلال مقاطع قصيرة خارج سـياقها لإثارة الجدل.

أشعر أحيانًا أن الفضاء الرقمي يبتلع المعاني، ويُسطّح القضايا، ويحوّل الدعوة من رسالة إصلاح إلى مادة استهلاكية أو ساحة صراع. فكيف أمارس الدعوة الإلكترونية بوعي وحكمة، وأحفظ رسالتي من التشويه، دون أن أنسحب أو أتحول إلى ردّات فعل؟ شكر الله لكم.

الإجابة 09/02/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك، وبارك الله في نيتك وهمّك وهمّتك، فإن ما تعانيه هو من أقدار الدعوة في هذا الزمان، لا من عيوب الطريق.

 

واعلم –وفّقك الله– أن الدَّعوة الإلكترونية ميدان واسع الأثر، عظيم النفع، شديد الابتلاء، يجمع بين سـرعة الانتشار وسـرعة الانحراف في آن واحد.

 

وأول ما ينبغي ترسـيخه: أن الوسائل تتغيّر، لكن سنن الدعوة ثابتة؛ فقد واجه الأنبياء التشويه، وسوء الفهم، والتحريف، قبل أن توجد الشاشات والمنصات. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ فالتشويش سنة ماضية، لكن العبرة بحسن التعامل معها.

 

ومن معالم المنهج الرشيد في الدعوة الرقمية:

 

1) الوعي بطبيعة الوسـيط لا يقل أهمية عن صحة المحتوى: فالفضاء الرقمي يقوم على الاختصار، والسـرعة، واللقطات المجتزأة، وهو ما يفرض على الداعية أن يكون واعيًا بلغة المنصّات دون أن يُفرّغ المعنى من عمقه. وليس كل موضوع صالحًا لمقطع قصير، ولا كل قضية تحتمل التبسـيط الشديد.

 

2) ضبط النية قبل ضبط التفاعل: فكثرة الإعجابات والمشاركات قد تُغري النفس، كما أن الهجوم قد يستفزّها. والداعية الصادق هو من يراقب قلبه قبل أن يراقب التعليقات، ويجعل ميزانه: هل أرضيتُ الله؟ لا: كم انتشـرت؟ قال ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات)؛ وهذا أصل عظيم في زمن الأرقام.

 

3) لا تتحوّل إلى أسـير الردود والجدالات: فليس كل نقد يستحق جوابًا، ولا كل إساءة تحتاج مواجهة. وقـد قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63] والصمت الحكيم أحيانًا أبلغ من ألف ردّ.

 

4) احمِ المعنى بالسـياق والاتزان: حاول -ما استطعت– أن تُرفق المقاطع المختصـرة بإشارات توضيحية، أو إحالات لمحتوى أطول، حتى لا يُبتَر المعنى. فالدعوة ليست ومضة عاطفية فقط؛ بل بناء فهم وتدرّج ووعي.

 

5) تذكّر أن الأثر الحقيقي لا يُقاس فورًا؛ فقد يمرّ كلامك على قلبٍ مجروح فيصمت، لكنه يعمل فيه سنين. وقد لا ترى ثمار دعوتك الآن، لكنها تُدَّخر لك عند الله، ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.

 

وفي الختام:

 

اثبت على رسالتك، ولا تجعل ضجيج المنصات يسـرق منك صفاء المقصد.

 

اجعل الدعوة الإلكترونية امتدادًا لقلبك لا استنزافًا له، ووازن بين الحضور والتخفف، وبين البلاغ والسكينة.

 

وإذا وجدت أن المنصّة تُضعف دينك أو تستهلك روحك، فمراجعة الوسـيلة عبادة لا هزيمة.

 

ونسأل الله أن يبارك في أثرك، وأن يحفظ دعوتك من التشويه، وأن يجعلك من الذين قال فيهم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.

 

روابط ذات صلة:

الفضاء الإلكتروني مليء بالضجيج والسخرية.. فلا تتوقف

كيف أكون داعية مؤثرًا على وسائل التواصل الاجتماعي بلا إثم أو ملل؟

نجاح الداعية.. بين إخلاص النية ووهْم أرقام المتابعين

قياس الأثر والنجاح في البرامج الدعوية غير المرئية

قياس أثر الدعوة في المجتمع.. خطوات نحو الفاعلية

ضوابط النقد الذاتي الدعوي بين الإصلاح والتشهير

الرابط المختصر :