الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
314 - رقم الاستشارة : 3264
11/11/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا فريق من الشبان نقوم بإدارة حسابات دعوية على منصات مختلفة (مثل انستغرام ويوتيوب). نلاحظ أننا نبذل جهداً كبيراً في صناعة محتوى دعوي احترافي ومفيد، لكن خوارزميات هذه المنصات تُهمّش المحتوى الجاد والتعليمي، وتُفضل المحتوى الترفيهي أو الصادم، مما يقلل من وصول رسالتنا إلى الجمهور المستهدف، ويجعل الداعية يقع في حيرة:
هل يجب أن نتنازل عن جزء من جدية المحتوى لنرضي الخوارزميات (مثلاً، عن طريق إدخال عناصر ترفيهية أو ساخرة لا تليق بالرسالة)، أم يجب أن نلتزم بجدية الرسالة ونرضى بقلة الوصول؟ كيف نجمع بين "الجودة الدعوية" و"متطلبات الخوارزميات" لنضمن أكبر وصول وتأثير في هذا الفضاء الرقمي المتغير؟ جزاكم الله خيراً.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم أيها الفريق المبارك، وشكر الله لكم حملكم همّ الدعوة في هذا الميدان الرقمي الشاسع. إنكم تواجهون تحديًا عالميًّا حقيقيًّا، وهو صراع "المنفعة" مع "الربحية" في الفضاء الرقمي. أسأل الله أن يفتح لكم أبواب التوفيق والانتشار.
إن استشارتكم تدور حول "فقه التسويق الدعوي للمحتوى الجاد"، والذي يتطلب ذكاءً في التعامل مع التقنية دون التضحية بالجوهر.
منهج الموازنة بين الجدية الدعوية ومتطلبات الخوارزميات
القاعدة الأساسية هي: استخدام أدوات الخوارزميات لخدمة الرسالة الجادة، لا تغيير الرسالة لإرضاء الأدوات.
الالتزام بالجدية الدعوية (الضابط الشرعي)
لا يجوز التنازل عن الأصول والجدية في المضمون، أو إدخال ما لا يليق بالرسالة النبوية لأجل زيادة الوصول.
1) تحريم المحتوى الهابط: لا يجوز إدخال عناصر السخرية أو الابتذال أو التحديات الترفيهية التي لا تليق بالرسالة لزيادة الانتشار، والجدية والوقار هما الأصل في الخطاب الشرعي.
2) الإحسان في الأداء واجب: يجب أن يكون هدفنا إرضاء الله أولاً في إتقان العمل. قال ﷺ: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (رواه البيهقي وأخرجه الطبراني في المعجم). وهذا الإتقان يشمل الجودة الفنية للمحتوى، لا نوعه.
فقه التعامل مع الخوارزميات (الذكاء التقني)
يمكنكم ترويض الخوارزميات وجعلها في صالحكم دون التنازل عن الجدية، من خلال التركيز على "إشارات التفاعل" التي تبحث عنها المنصات:
1) صناعة الاهتمام: الخوارزميات لا تهتم بـ "نوع" المحتوى بقدر اهتمامها بـ "مدة مشاهدة المقطع ونسبة التفاعل"، ولذا أنصح بالتركيز على الآتي:
* جودة "الخطاف: ابدأوا المقطع في أول ثلاث ثوانٍ بسؤال أو إحصائية أو جملة قوية تجذب المشاهد وتجعله يكمل المقطع.
* التفاعل الفوري: اطلبوا من الجمهور مباشرة في نهاية المقطع إجراء عمل: (شارك هذا المقطع، اكتب رأيك، أرسل سؤالك). كلما زاد التفاعل في أول ساعة من النشر، زاد الانتشار.
2) الاستفادة من الأشكال الجذابة (الترفيه المباح): لا تعني الجدية الدعوية أن يكون المحتوى مملاً أو خاليًا من الجمال. يمكنكم استخدام:
* التصميم الجرافيكي الاحترافي: استخدام الألوان الجذابة، والخطوط الواضحة، والتصوير السينمائي عالي الجودة.
* السرد القصصي: كأن تتم صياغة المعلومة الجادة في شكل قصة مؤثرة أو حوار شيق. هذا ليس تنازلاً بل إحسان في البيان، وصدق الله إذ يقول: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم).
* فقه الهاشتاج والكلمات المفتاحية: استخدموا الكلمات التي يبحث عنها الشباب في العصر الحالي، حتى لو لم تكن كلمات دينية بحتة، ثم وجهوها نحو الرسالة الدينية. (مثال: إذا كان البحث عن "القلق والتوتر"، استخدموا الهاشتاج ثم قدموا علاج ذلك من السنة).
منهجية التنويع في المحتوى
لمواجهة التهميش، يجب التنويع في الشكل للحفاظ على الجدية في المضمون، من خلال الآتي:
1) استراتيجية المحتوى الهرمي:
* القمة (الانتشار): مقاطع قصيرة سريعة (30 ثانية - دقيقة) ذات جودة عالية جدًّا، تركز على رسالة واحدة بسيطة ومحفزة. هذه ترضي الخوارزميات.
* القاعدة (العمق): مقاطع طويلة (10 دقائق فأكثر) أو بثوث مباشرة، تشرح المسألة بتفصيل وعمق. هذا يرضي طالب العلم ويعزز المصداقية.
2) استخدام المنصات المناسبة: لا تحاولوا إجبار "فيسبوك" على نشر محتوى "يوتيوب" كل منصة لها لغتها. "تيك توك" و"ريلز" تحتاج للإيجاز. "يوتيوب" و"بودكاست" تحتاج للعمق.
وأخيرًا فنصيحتي إليكم:
أيها الفريق المُجِدّ، تذكروا أن هداية قلب واحد خير من انتشار مليون مقطع دون تأثير. لا تيأسوا من ضعف الوصول، فكثرة الإخلاص في القليل تجعله ينمو ويبارك فيه. استمروا في الإتقان، وكونوا طلاب علم قبل أن تكونوا صناع محتوى. فالمادة القوية لا يُغلبها تقصير الخوارزميات على المدى الطويل، وأسأل الله العظيم أن يسدد رميكم في هذا الفضاء، وأن يبارك في جهودكم ويسهل وصول رسالتكم، وأن يجعل عملكم خالصًا لوجهه الكريم، وأن يرزقكم سداد الرأي والتوفيق في الجمع بين الأصالة والمعاصرة.
روابط ذات صلة:
موازنة الأصالة والجاذبية في صناعة المحتوى الدعوي الرقمي للشباب