موازنة الداعية بين الانتشار والرسالة في وسائل التواصل الاجتماعي

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : الدعوة الإلكترونية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 529
  • رقم الاستشارة : 3412
26/11/2025

أنا (مازن)، شاب في الخامسة والعشرين من عمري، بدأت مؤخرًا أستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لأشارك بعض المقاطع الدعوية القصيرة، ففوجئت بإقبال كبير ومتابعين بالآلاف خلال أشهر قليلة. فرحت في البداية، لكن بدأت أشعر بثقل شديد، وكأنني مطالب بإرضاء الناس ومواكبة ذوقهم لأحافظ على هذا الانتشار.

صرتُ أتساءل: هل أركز على الرسالة التي أريد إيصالها أم على الانتشار والانتشار فقط؟ وكيف أوازن بين هذا وذاك؟

الإجابة 26/11/2025

أخي العزيز مازن، حين يتحدث من قلبه شخص دخل هذا الميدان الرقمي حديثًا، يشعر الداعية المجرّب أنه يستمع لصوتٍ مرّ من هناك من قبل.

 

واعلم ما تمر به ليس أمرًا طارئًا ولا يخصك وحدك، بل هو منعطف يمر به معظم من انخرطوا في الدعوة عبر الوسائط الحديثة، فهذه المنصات لها بريقها الآسر وسهولة انتشارها، لكنها أيضًا سيف ذو حدين؛ قد ترفع صاحبها إذا صدق، وقد تجرّه إلى مهاوي الاستعراض إذا ضعف.

 

الدعوة ليست سباقًا

 

إن أول ما ينبغي أن تستحضره في هذه اللحظة هو أن الدعوة إلى الله ليست سباقًا في عدد المتابعين، بل هي موقف من الله قبل أن تكون موقفًا أمام الجمهور، فهي عبادة عظيمة قال الله تعالى فيها: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، فرب كلمة صادقة صادرة من قلبٍ مخلص تبلغ قلبًا في أقصى الأرض وتنقذ صاحبها يوم القيامة، ورب ضجيج في كل مكان لا يزن عند الله جناح بعوضة.

 

حين تتأمل هذه الآية ترى أن الله ربط الدعوة بالعمل الصالح والانتماء الصادق لدين الله، لا بعدد الجماهير. وهذا وحده يضعك على المسار الصحيح. الانتشار قد يكون نعمة وقد يكون فتنة، والرسالة هي الأصل الذي إن ضاع ضاع معه كل شيء. لهذا ينبغي ألا تجعل تفاعل الجمهور هو الذي يرسم لك خطك الدعوي، بل اجعل رسالتك وما تؤمن به من حق وثوابت واحتياجات الناس الحقيقية هي التي تحدد لك أي مقطع تسجل، وأي فكرة تبث، وأي طريقة تتكلم بها.

 

تحويل الدعوة إلى منتج ترفيهي

 

وإن أخطر ما تواجهه اليوم المنصات هو تحويل الدعوة إلى منتج ترفيهي يخضع لذوق الجمهور أكثر من كونه نورًا يقودهم إلى الخير. حين يركض الداعية وراء الأرقام فقط يبدأ بالتنازل عن شيء فشيء من وضوحه وثباته، فيختار الموضوعات التي تُرضي أكثر مما تهدي، ويجامل حيث يجب أن يبيّن، ويصمت حيث ينبغي أن يتكلم، ويضحك حين يجب أن يصدع بالحق.

 

قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 8-9]، وهذه الآية على قِدمها، كأنها كُتبت اليوم للداعية الإلكتروني الذي يواجه ضغط «الجمهور» من كل جانب. إنهم يودّون لو تُداهن، فتتنازل، فيمدحونك ويزيدون في متابعتك، فإذا فعلت خسرت أول ما كنت تريد أن تبنيه: رضا الله.

 

قياس قيمة الدعوة

 

وأنا أحدثك يا مازن، أريد أن أنقل لك سرًّا بسيطًا عرفه من سبقك من الدعاة المخلصين في الميدان الإلكتروني: لا تقاس قيمة الدعوة على الإنترنت بسرعة انتشارها ولا بكثرة المتابعين، ولا بالماديات المكتسبة، ولا بالثناءات الكثيرة؛ بل بمدى قدرتها على ترك أثر صادق في القلوب.

 

كثيرون صعدوا سريعًا ثم اختفوا كفقاعة، وقليلون ثبتوا لأنهم بنوا دعوتهم على نية صافية ومضمون قوي. والنبي ﷺ لم يكن يقيس دعوته بعدد من آمن معه في مكة، بل ظل ثلاث عشرة سنة يغرس المبادئ في قلوب قليلة العدد لكنها عظيمة الأثر، ولولا تلك القلوب ما كانت المدينة ولا الفتوحات ولا هذه الأمة.

 

لذلك اجعل معيارك الأول في أي مادة تقدمها سؤالًا صادقًا بينك وبين الله: هل هذا يرضيه أم يرضي الناس؟ فإن رضيه الله فلا تخشَ قلة المشاهدات، وإن أرضى الناس وأسخط الله فاحذر أن يكون زبدًا يذهب جفاءً. والحديث الصحيح الذي رواه مسلم يضع ميزانًا واضحًا حين قال ﷺ: «من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به» (رواه مسلم رقم 2987). فكل ما تفعله بنية الشهرة الجوفاء سيكون شاهدًا عليك يوم القيامة لا لك.

 

وإذ أقول لك ذلك، لا أعني أن الانتشار في ذاته مذموم، بل قد يكون الانتشار بابًا واسعًا للخير إذا كان خادمًا للرسالة لا حاكمًا عليها. قال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم»

 

فإن بلغ مقطع واحد لك قلب رجل أو امرأة فاهتدى، أو رجع إلى الله، أو توقّف عن معصية، فهذا خير لك من ملايين الإعجابات التي لا تُثمر هداية واحدة. اجعل الانتشار هدفًا فرعيًا لا أصليًا، وسيلةً لا غاية، طريقًا لا نهاية.

 

حين تضع الرسالة في المركز، والانتشار في الهامش، تبدأ قراراتك بالتغيّر؛ تختار الموضوعات التي يحتاجها الناس في دينهم، لا تلك التي يريدون سماعها فحسب. تتأنى في صياغة المقطع، تبحث عن الدليل الصحيح، تتأكد من المعلومة قبل أن تقولها، تراجع نيتك قبل أن تضغط زر النشر. وهنا فقط يصبح حسابك على وسائل التواصل منبرًا من منابر الهداية، لا منصة من منصات الصخب.

 

ولا يغيب عنك أن هذا الميدان الرقمي ميدان خطير؛ فالناس تنظر إليك فيه وكأنك تمثل الدين كله. كلمة واحدة منك قد تؤخذ على أنها فتوى، وإشارة عابرة قد يظنها متابعوك حُكمًا شرعيًّا. فإن لم تكن الرسالة واضحة في ذهنك، ضعتَ بين طلب الإعجاب وخوف الانتقاد. لذلك كان من الواجب أن تتحلّى في هذا المجال بثلاث خصال: العلم، والصدق، والصبر.

 

أما العلم فهو أساس الدعوة، ولا يعني أن تكون مفتيًا، بل أن تتأكد أنك لا تنطق في دين الله إلا بما تعلم، أو تحيل لما لا تعلم إلى أهل العلم. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]، وقال ﷺ: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»

 

أما الصدق فهو قلب الرسالة، وهو الذي يجعل حتى الخطاب البسيط يصل، كما قال الإمام مالك رحمه الله: «ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل». وأما الصبر فهو رفيق الطريق، لأن الدعوة الرقمية ليست تصفيقًا دائمًا، بل قد تواجه فيها تهكمًا واستهزاءً وتشويهًا، فاستعن بالله واصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.

 

من معالم الموازنة

 

ومن معالم الموازنة التي لا بد أن تضعها نصب عينيك ألا تجعل وتيرة النشر هي التي تقودك إلى سطحية المحتوى. كثير من الدعاة المبتدئين يضغط عليهم خوارزم المنصات فيظنون أنهم إن لم ينشروا يوميًّا فلن يبقوا في دائرة الضوء، فيندفعون إلى تسطيح المواد وتكرار العبارات والتقليل من التحقق من صحة المحتوى، فيضعف أثرهم وإن كثر متابعوهم.

 

كن أنت من يضبط إيقاعك لا المنصة. اجعل النشر ثمرة تفكيرك لا رد فعلٍ لضغوطها. وإن تأخرت يومًا أو أسبوعًا في نشر شيء جيد يرضي الله، فهو خير من نشر عشرات المقاطع التي ترضي الناس ولا تزيدهم إلا لهوًا.

 

ولا تتجاهل أيضًا أن وسائل التواصل، وإن بدت فردية، فإن فيها بعدًا جماعيًّا هائلًا. كل مقطع تبثه يمكن أن يُعاد نشره في بلدان عدة، ويشاهده آلاف من مختلف الأعمار والثقافات، ومنهم من لا يعرف اللغة العربية أو لا يدرك السياق، فيُسيء الفهم أو يُفسّر على غير وجهه. هنا تتأكد أهمية وضوح الرسالة في ذهنك. لا تترك مجالًا للتأويل الضار، ولا تظن أن نيتك الطيبة كافية. فالمسؤولية أمام الله عظيمة.

 

علاقتك بالله

 

ومن النقاط الجوهرية في الموازنة أن تظل علاقتك بالله أصلية وعلاقتك بالمنصة تبعية. إن شعرت أن قلبك بدأ يفرح بالإعجابات أكثر من فرحه بقبول الله، أو أنك تترقب الإشعارات أكثر من ترقبك لقيام الليل، فاعلم أن الخطر قد بدأ يتسلل إليك. أصلح قلبك أولًا بأول، وارجع إلى محرابك قبل أن تصعد إلى منصتك. إن لم يكن لك ورد من القرآن يملأ قلبك، وركعات في الليل تُنير بصيرتك، فلن يكون في مقاطعك نور مهما كان عدد المشاهدات. لقد كان النبي ﷺ يقوم الليل حتى تتورم قدماه، وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بنا ونحن نحتاج إلى تثبيت قلوبنا وسط هذا الضجيج الرقمي؟!

 

الوعي الإعلامي

 

ولأنك تعمل في ميدان مفتوح على العالم، فإنك تحتاج إلى قدر عالٍ من الوعي الإعلامي، فليس كل وسيلة تناسب كل رسالة، وليس كل جمهور يُخاطب بالطريقة نفسها. هناك رسائل تناسب المقاطع القصيرة، وأخرى تحتاج إلى بث مباشر، وثالثة تحتاج إلى مقال مكتوب أو بودكاست هادئ.

 

فالموازنة لا تكون فقط بين الرسالة والانتشار، بل بين الوسيلة والمضمون أيضًا. ومن فقه الدعوة أن تجعل لكل مقام مقالًا، ولكل جمهور خطابًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4].

 

شخصية المؤثر

 

ومن أخطر ما يُفسد الموازنة أن ينزلق الداعية إلى شخصية «المؤثر» التي تبني قيمتها على عدد المتابعين لا على صدق الرسالة. حينها يبدأ في مجاراة الاتجاهات الرائجة ولو كانت تافهة، ويبدأ بخلط الجد بالهزل حتى تضيع هيبة الخطاب الدعوي، فيتحول المنبر إلى عرضٍ للتسلية بدلًا من كونه وسيلة للهداية. إن الدعوة على الإنترنت لا تحتاج إلى وجوه عابسة، لكنها أيضًا لا تحتمل أن تتحول إلى هزل دائم. التوسط هنا هو سمة الراشدين. كما قال النبي ﷺ: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»

 

وتذكر يا مازن أن كل متابع سيسألك الله عنه يوم القيامة بقدر ما بلّغته أو قصرت. فإن كان ما تقدمه يقربهم إلى الله، كانت لك الحسنات، وإن كان يلهيهم ويبعدهم عن الذكر ويشجع على التميع في الدين، كانت عليك التبعة. فاختر مكانك من الآن، وضع لنفسك منهجًا واضحًا في هذه الدعوة، فإن لم تفعل رسمه لك ضغط الجمهور واللحظة.

 

والحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عنك هي أن الانتشار الحقيقي لا يُقاس في الدنيا، بل في الآخرة. قد لا تكون لك آلاف المتابعين، لكن قد يهتدي بك شخص يصبح داعية يهدي الله على يديه ألوفًا، فتكون لك مثل أجورهم. وقد تملك الملايين من المتابعين ولا تنال عند الله إلا الرياء والخيبة. من كان همه أثره عند الله، أعطاه الله من البركة ما لا يحصيه عدّاد المتابعين.

 

عش حياتك الطبيعية

 

ولا تنس أيضًا أنك بشر. من حقك أن ترتاح، أن تعيش حياتك الطبيعية دون شعور دائم أنك تحت الأضواء. إذا شعرت أن الانتشار بدأ يلتهم روحك ويشغلك عن عبادتك أو علاقتك بأسرتك، فاعلم أن الوقت قد حان لتعيد ضبط الموازين. لأن من لا يملك وقتًا لنفسه، لن يستطيع أن يمنح الآخرين هداية حقيقية. إن الدعوة لا تُبنى على الاحتراق الكامل، بل على التوازن.

 

أريدك في النهاية أن تتأمل قول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: 54]، هذه الآية تريح قلبك من ضغط الأرقام. أنت مكلّف بالبلاغ، لا بالانتشار، مكلّف بالإخلاص، لا بجمع المتابعين. وإن أعانك الله على البلاغ الصادق، جعل لك القبول ولو كرهت خوارزميات المنصات، وإن فقدت الإخلاص فلن تنفعك ملايين المشاهدات. دع قلبك مع الله، ودع الأثر له.

 

وأسأل الله أن يبارك لك في علمك وقلمك وصوتك، وأن يجعل ما تبثه نورًا يهتدي به الناس، وأن يحميك من فتنة الشهرة ويجعلك من الصادقين الذين قال الله فيهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]، وأن يرزقك من البركة في القليل ما يغنيك عن اللهاث وراء الكثير، وأن يجعل متابعيك شهودًا لك لا عليك يوم تلقاه.

 

روابط ذات صلة:

قياس الأثر والنجاح في البرامج الدعوية غير المرئية

قياس أثر الدعوة في المجتمع.. خطوات نحو الفاعلية

الرابط المختصر :