الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
136 - رقم الاستشارة : 3498
04/12/2025
أنا داعية مبتدئ ولدي حضور عبر وسائل الإعلام الجديد، وأحيانًا أتعرض لتعليقات استفزازية أو أسئلة خادعة، فأقع في ردود فعل غير منضبطة قد تُستخدم ضدي أو تُشوّه صورة الدعوة نفسها.
كيف أستطيع -كداعية- أن أتعامل مع الواقع الإعلامي بمنهجية واعية تحفظ هيبة الدعوة، وتحميني من الانفعالات والمزالق، وتُخرج الخطاب الديني بصورة راقية مواكِبة للعصر دون التفريط في الثوابت؟
ابني المبارك: مرحبا بك على صفحات موقعنا، ونسأل الله تعالى أن يستخدمك دائمًا فيما يُرضيه، وأن يصـرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.. واسمح لي لأهمية السؤال وخطورته أن أصوغ إجابتي عليه في نقاط واضحة محددة على النحو التالي؛ فلقد أصبحت ساحات الإعلام الجديد اليوم جزءًا من البيئة التي يتحرك فيها خطاب الداعية، بل هي المنبر الأوسع تأثيرًا وامتدادًا، وقد قال النبي ﷺ: (بَلِّغوا عَنِّي ولو آية) والتبليغ اليوم يشمل المنصّات الرقمية كما يشمل المنابر التقليدية.
ساحــات الإعلام الجديد مليئة بالمزالق
غير أنّ هذه السَّاحــات -بقدر تأثيرها- مليئة بالمزالق، وإن من أخطرها أن تتحول ردود الفعل الانفعالية إلى مادة تُشوه الدين وصاحبه. لذلك فإن الداعية المعاصر بحاجة إلى قدر من الوعي الإعلامي يحفظه، ويصون دعوته، ويجعله أهلاً لتمثيل هذا الدين العظيم.
نصائح مهمة للتعامل مع الإعلام الجديد
ولذا عليك بالآتي:
1) إدراك طبيعة المنصّات: إنّ الإعلام الجديد ليس منبرًا علميًّا خالصًا، وإنما هو فضاء مفتوح؛ فيه الجاد والهزلي، وفيه صاحب النية الصالحة وصاحب الهوى. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، فمن دخل هذا الفضاء دون دراية بخصائصه وقع في الفخاخ التي نُصبت له، سواء كانت سخرية، أو تحريفًا، أو اقتطاعًا للمقاطع.
2) قاعدة (لا تُجب عن كل ما يُقال)، فليس كل سؤال يُجاب، ولا كل تعليق يُردّ عليه؛ فقد سكت النبي ﷺ عن إجابات كثيرة لأن السائل غير جاد، أو لأن السياق لا يسمح، ومن قواعد السلف: (ليس كلُّ ما يُعلم يُقال، ولا كلُّ ما يُقال حضـر أوانه)، وفي عصر المنصات، السكوت عن المستفز أحيانًا أبلغ من ألف رد.
3) ضبط الانفعال: فقه الكلمة قبل النَّشـر: قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.. و"التي هي أحسن" تشمل اللفظ، والنبرة، والتعبير، وطريقة الرد، وزمن الرد. والدعاة ليسوا معصومين من الغضب، لكن الظهور الإعلامي لا يرحم الأخطاء؛ فلقطة واحدة قد تُقتطع وتصبح مادة للسخرية لمدة أعوام.
4) التفريق بين الناقد الصادق والمستفز المصطاد: فمن مهارات الداعية في عصر الإعلام الجديد أن يميز بين ناقد يريد الحقيقة، وجاهل يحتاج تبيينًا، ومستفز يريد إسقاطك، وصاحب هوى يبحث عن مادة ينتصر بها، فلستُ بالخبّ ولا الخبّ يخدعني.. هكذا ينبغي أن يكون شعارك في حركاتك الدعوية عند التعامل مع الجماهير.
5) بناء شخصية إعلامية مستقرة: فالمتابعون لا يرون الداعية في المسجد فقط، بل يرونه في البث المباشر، وفي التعليق، وفي المنشور، وفي الساعة المتأخرة من الليل...
لذلك فالداعية بحاجة إلى هوية ثابتة: وقار في الطرح، لغة هادئة، ابتسامة متزنة، قدرة على ضبط أعصابه، تجنب الانجرار للمناوشات.
6) فهم خطورة (الترند)، فقد يدفع الترند بعض الدعاة إلى التسـرع في التعليق على قضايا لم يدرسوها أو لم يكتمل عندهم تصورها، وهذا مخالف لنهج العلماء، فكما تعلمنا (أنَّ الحكم على الشـيء فرع عن تصوره)، والداعية لا يطلب منه أن يسبق الجميع، بل أن يكون أكثرهم تثبّتًا.
7) الاستعانة بفريق متميز إعلاميًّا أو مستشار إعلامي؛ لأن العصـر تغير، والإعلام له أدواته، ومن الحكمة أن يستشير الداعية متخصصًا في إدارة الصفحات، وتحرير المحتوى، وحماية السمعة، وفنيات التعامل مع الأزمات الرقمية، والأمن المعلوماتي، وهذا ليس نقصًا في قدره، بل هو من باب إتقان العمل الذي أمر به الشرع.
8) التدرّب على (مهارات الردّ الذكي)، مثل: الرد المختصر الهادئ، والمؤصل بالدليل، وغير المستفِز ولا المتصادم، وهذه مهارات تُتعلم، وقد كان ﷺ يمتاز بها: (ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا).
9) تحويل الهجوم إلى فرصة دعوية: فبعض النقد – لو أُحسن التعامل معه – يتحول إلى باب خير. كم من شخص دخل الإسلام لأنه شاهد ردًّا حكيمًا من داعية!
قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ثم كانت النتيجة: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
10) قاعدة ذهبية: (صون الدعوة مقدّم على صون النفس): إن أقسـى ما يواجهه الداعية هو أن يتهم أو تقتطع كلماته، لكنه يحتسب عند الله؛ لأن الدعوة أكبر من مشاعره الشخصية، وقد قال ﷺ: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)، هذا هو الاتزان الدعوي الحقيقي.
وأسأل الله العظيم أن يفتح لك أبواب الحكمة، وأن يرزقك كلمةً صادقةً تهدي بها القلوب، وأن يجعل حضورك في الإعلام الجديد بابًا للخير والرحمة، وأن يصرف عنك الانفعال والزلل، وأن يجري الحق على لسانك دائمًا، وأن يحفظ دعوتك ويبارك فيك ويجعلك من عباده الدعاة الراشدين.
وختامًا: تذكّر يا بني أنَّ الداعية في عصـر الإعلام الجديد ليس مجرد متحدث، بل قدوة رقمية تُراقب كلماته ونبراته وحتى صمته.. وكلّما زاد وعيك الإعلامي، زادت بركة دعوتك، وظهرت صورتك في أبهى تجلّيها: رحمةً، وحكمةً، ووقارًا، فامضِ في طريق الدعوة، وتسلح بالبصيرة، وكن مناراتٍ تهدي لا نارًا تَحرق.
روابط ذات صلة:
كيف أتعامل مع الانتقادات اللاذعة في طريق الدعوة؟