الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
24 - رقم الاستشارة : 4958
01/06/2026
كانت امي عافاها الله تشعر بوعكة صحية وحمى ولما جاء وقت صلاة العشاء توضأت وصلت جالسة قصرا، ثم تناولت الدواء فصارت أحسن، فسألتني هل أعيد الصلاة تامة وقوفا، أم أنها برئت ذمتها وسقط عنها فرض العشاء، فأفتونا مأجورين
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فنسأل
الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفي والدتكم الكريمة ويعافيها، وأن يكتب لها
الأجر والثواب على حرصها على أداء الصلاة في وقتها رغم المرض.
والمرض
عذر شرعي معتبر يوجب التخفيف والتيسير في العبادات؛ فالشريعة الإسلامية مبنية على
رفع الحرج عن المكلفين. وقد جعل الله سبحانه وتعالى للمريض رخصة أداء الصلاة على
الحالة التي يستطيعها دون مشقة تؤذيه، قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:
16]، وقال النبي ﷺ لعمران بن حصين رضي الله عنه: (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ
فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْب) [رواه البخاري].
بيد
أن هذا التيسير في هيئة الصلاة كالجلوس يختلف حكمه عن حكم قصر الصلاة، حيث إن
القصر رخصة مرتبطة بالسفر دون غيره من الأعذار كالمرض والمشقة الحاضرة.
اختصارًا: تتكون
الإجابة عن مسألة والدتكم من شقين أساسيين:
1. من حيث الصلاة جالسة: صلاتها جالسة بسبب الوعكة الصحية والحمى صحيحة ومجزئة
تمامًا، ولا تطالب بإعادتها وقوفًا بعد تحسن حالتها وتناول الدواء؛ لأن العبرة
بحال المكلف وقت أداء العبادة.
2. من حيث قصر الصلاة صلاتها العشاء ركعتين: صلاتها قصرًا وهي مقيمة في بيتها
غير صحيحة؛ لأن المرض يبيح الجمع بين الصلوات ولا يبيح قصرها مطلقًا، وهو خلط يقع
فيه كثير من الناس، يحسبون أن القصر والجمع والصلاة قاعدًا سواء في الحكم، ولكن
القصر رخصة سفر فقط. وبناءً على ذلك، يجب على والدتكم إعادة صلاة العشاء تامة أربع
ركعات بالوضوء، وتصليها الآن حسب استطاعتها قائمة إن استطاعت، أو جالسة إن كانت لا
تزال تشعر بمشقة القيام.
آراء
الفقهاء قديمًا وحديثًا:
اتفق
الفقهاء وسلف الأمة على أمرين في هذه المسألة: الأول هو صحة صلاة العاجز جالسًا
وعدم الإعادة، والثاني هو عدم جواز القصر للمقيم المريض.
حكم
الصلاة جالسًا للمريض ثم برؤه في الوقت:
اتفق
العلماء على أن المريض إذا صلى فرضًا في وقته قاعدًا لعجزه، ثم شُفي أو تحسنت
حالته في نفس الوقت، فلا إعادة عليه لأن ذمته برئت بالأداء المأذون فيه وقت
العبادة.
جاء
في "المجموع
شرح المهذب" للإمام النووي: "إذا صلى المريض
قاعدًا لعجزه عن القيام، ثم قدر على القيام بعد الفراغ من الصلاة في الوقت، لم
تبطل صلاته ولا إعادة عليه بلا خلاف... لأنه أتى بما أُمر به في حال عذره، فبرئت
ذمته".
وجاء
في "المغني"
لابن قدامة المقدسي: "وإن صلى قاعدًا
لعذر، ثم قدر على القيام بعد الفراغ منها، لم تجب عليه الإعادة؛ لأنه أدى فرضه على
الوجه المأمور به، فخرج من عهدته".
حكم
قصر الصلاة للمريض في الحضر:
اتفق
الفقهاء قديمًا وحديثًا على أن قصر الصلاة الرباعية رخصة تخص "المسافر"
فقط، ولا يجوز للمقيم حتى وإن كان مريضًا مرضًا شديدًا أن يصلي العشاء أو الظهر أو
العصر ركعتين. والمرض يبيح للمقيم "الجمع" فقط وليس "القصر".
جاء
في "بدائع
الصنائع" للإمام الكاساني: "وأما سبب قصر
الصلاة فهو السفر؛ فلا يجوز القصر بدونه بالإجماع... والمريض في الحضر لا يقصر
الصلاة وإن بلغت مشقته مبلغًا عظيمًا".
وجاء
في "المدونة"
للإمام سحنون: "قال ابن القاسم: سألت مالكًا عن المريض
أيقصر الصلاة؟ قال: لا، لا تقصر الصلاة إلا في سفر، والمريض يجمع بين الصلوات إذا
خاف أن يغلب على عقله أو تشتد وطأة المرض، ولكنه يصليها تامة".
رأي
الفقهاء المعاصرين:
أكد
الفقهاء المعاصرون على هذا التفريق الواضح بين رخص السفر ورخص المرض، جاء في
فتاوى "اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء": "المرض
يبيح للمسلم أن يصلي جالسًا أو على جنب حسب استطاعته، ويبيح له الجمع بين صلاتي
الظهر والعصر في وقت إحداهما، والجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في وقت إحداهما عند
المشقة، أما قصر الصلاة الرباعية ركعتين فهو من رخص السفر خاصة، ولا يشرع للمريض
المقيم، ومن فعل ذلك جهلاً وجب عليه إعادة الصلاة أربع ركعات". والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: