الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
23 - رقم الاستشارة : 5757
02/09/2026
رجل خصص مبلغا من المال وقفا ماليا للعمل الخيري، فهل يجوز له استثمار أصل المال الموقوف في مشاريع تجارية لزيادة ريعه؟ وما الحكم إذا خسر الاستثمار، هل يضمن المال من ماله الخاص أم يُعدّ أمانة في يده؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم أخي الفاضل
أن الوقف
من أعظم أبواب الصدقة الجارية وباب عظيم من أبواب التكافل الاجتماعي في الإسلام،
والأصل فيه تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. وقد اتسع نطاق الوقف في الفقه الإسلامي
ليشمل وقف النقود والأموال النقدية لما تحقق من نفع مباشر، حيث تصبح المصلحة في
حفظ ماليتها وتنميتها ليدوم ريعها على جهات البر والخير.
اختصارًا: بعد
إبرام عقد الوقف بالشروط المعتبرة شرعًا ونظامًا، تنقطع سلطة المالك في التصرف في
أصل العين الموقوفة التصرفات الناقلة للملكية.
ويجوز
شرعًا استثمار أصل المال الموقوف في مشاريع تجارية واستثمارية مباحة شرعًا لزيادة
ريعه وتنميته، بل يُعدّ ذلك مستحبًا ومطلوبًا لحماية القوة الشرائية للمال من
التآكل بالمضي والركود، بشرط اتباع ضوابط الاستثمار الآمن واستيفاء دراسات الجدوى
والابتعاد عن المخاطرات الجسيمة، ويد القائم على الوقف سواء كان الواقف نفسه أم
ناظراً عينه الواقف هي يد أمانة.
فإذا
وقعت الخسارة في الاستثمار التجاري بسبب تقلبات السوق العادية ودون تجاوز الشروط
والضوابط، أو تفريط أو تقصير وإهمال، فالمال يُعدّ أمانة في يده، وتكون الخسارة
على حساب مال الوقف نفسه ولا يضمن الناظر شيئاً من ماله الخاص.
أما
إذا وقعت الخسارة بسبب تقصيره أو دخوله في مشاريع عالية المخاطرة دون اتخاذ
الضمانات أو بمخالفة شرط الواقف والضوابط الشرعية، فيُعدّ متعدياً ومفرطاً، ويثبت
الضمان في ذمته من ماله الخاص لإصلاح أصل الوقف.
وتفصيلاً:
أولا:
التصرفات الممنوعة قطعًا
بمجرد
نفاذ الوقف، يُحظر على الواقف القيام بالتصرفات التالية:
•
البيع أو الهبة: لا يجوز له بيع العين الموقوفة أو إهداؤها لشخص آخر.
•
الرهن: لا يمكن استخدام أصل الوقف كضمان مالي أو رهن لأي جهة.
•
الإرث: لا تنتقل العين الموقوفة إلى ورثة الواقف بعد وفاته، بل تستمر كوقف.
2.
التصرفات المشروطة الرجوع أو التعديل
تعتمد
قدرة الواقف على تغيير شروط الوقف على ما حدده أثناء إبرام العقد:
•
إذا اشترط لنفسه الحق في التعديل: يجوز له تعديل بعض المصارف، أو إدخال موقوف
عليهم جدد، أو إخراج بعضهم، وذلك بحسب القواعد الفقهية والأنظمة القانونية.
•
إذا لم يشترط لنفسه شيئًا: يُصبح الوقف لازمًا ولا يملك الواقف حق الرجوع فيه، أو
إلغائه، أو تغيير شروطه، تطبيقاً للقاعدة الفقهية "شرط الواقف كنص
الشارع".
3.
التصرف بصفته "ناظرًا على الوقف"
إذا
عيّن الواقف نفسه ناظرًا مديرًا للوقف في العقد، فإن تصرفاته تقتصر على إدارة
الوقف فقط وفق الحدود التالية:
•
الرعاية والصيانة: إلزامية الحفاظ على أصل الوقف ومنعه من التلف.
•
الاستثمار والتنمية: استثمار ريع الوقف وتطويره بما يحقق مصلحة الموقوف عليهم.
•
توزيع الريع: صرف العوائد المالية على الجهات أو الأشخاص الذين حددهم في صك الوقف
دون زيادة أو نقصان.
•
الاستبدال عند الضرورة القصوى: إذا تعطلت منافع الوقف تمامًا مثل عقار انهار ولا
يمكن ترميمه، يجوز للناظر بيعه لشراء بديل عنه، بشرط الحصول على إذن المحكمة
الشرعية أو الجهة القضائية المختصة، وليس بقرار فردي.
جواز
وقف النقود واستثمار أصلها:
المذهب
الحنفي: أجاز
الإمام زُفر بن الهذيل وقف النقود ودفعها مضاربة وصرف الربح في مصارف الوقف. جاء
في فتح القدير لابن الهمام الحنفي 6/219: «وعن زُفر: يُدفع المال مضاربة ثم يتصدق
بالربح في الوجه الذي وقف عليه».
المذهب
المالكي: نصّ المالكية على صحة وقف الدنانير والدراهم واستثمارها. جاء في مواهب
الجليل شرح مختصر خليل للحطّاب 6/22: «ويصح وقف الدنانير والدراهم... ويستثمر
مالها ويصرف ريعه في مصرف الوقف».
المجالس
الفقهية المعاصرة مجمع الفقه الإسلامي الدولي:
نص
القرار رقم 140 15/6 بشأن الاستثمار في الوقف: «وقف النقود جائز شرعًا... وإذا
كانت الأصول الموقوفة نقوداً فيمكن أن تستثمر بجميع وسائل الاستثمار المشروعة
كالمضاربة والمرابحة والاستصناع... بما يحقق مصلحة الوقف وبما يحافظ على الأصل
الموقوف».
يد
الناظر والضمان عند الخسارة:
اتفق
الفقهاء على أن يد الناظر على الوقف أو مديره يد أمانة جاء في المغني لابن قدامة
الحنبلي 6/217: «والناظر أمين في مال الوقف، فلا ضمان عليه فيما تلف بغير تفريط،
كالوديع والوكيل».
انتفاء
الضمان إلا بالتعدي أو التفريط:
جاء
في روضة الطالبين للإمام النووي الشافعي 5/338: «الناظر أمين، فلا يضمن التلف والضرار
إلا بالتعدي أو التفريط، فإذا فرّط بترك الحفظ أو التصرف على خلاف المصلحة ضمن».
القواعد
الفقهية الحاكمة في حدود تصرف صاحب الوقف فيه بعد إبرام العقد:
قاعدة:
«الأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط»
تُطبق
على ناظر الوقف؛ إذ تصرفه في مال الوقف تصرف أمين بحكم الشرع، فما تلف تحت يده
بأسباب تجارية قاهرة أو ظروف سوقية مع بذل الجهد المشروع لا ضمان فيه، بخلاف ما
إذا فرّط في دراسة الجدوى أو خالف الضوابط الشرعية.
قاعدة:
«التصرف على الرعية منوط بالمصلحة»
أصلها
في ولاية الحاكم، وتنسحب على ولي الوقف وناظره؛ فلا يجوز له التصرّف واستثمار
المال إلا فيما تترجح فيه المصلحة للوقف والموقوف عليهم.
قاعدة:
«الغُنْم بالغُرْم»
تحكم
النشاط الاستثماري؛ فكما أن أصل الوقف يستفيد من أرباح التجارة ويزداد بها، فإنه
يتحمل الخسارة التجارية الطبيعية التي قد تطرأ دون تقصير من الناظر.
قاعدة:
«شرط الواقف كنص الشارع»
تجب
مراعاة القيود التي حددها الواقف في وثيقة الوقف؛ فإن اشترط مجالات استثمارية
معينة أو حظر غيرها وجب التزام شرطه، وتعدّ مخالفته تعدّيًا موجبًا للضمان. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
هل عرفت الحضارة الإسلامية الوقف على الكتب؟