الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقهية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
3 - رقم الاستشارة : 5136
24/06/2026
ما هي الواجبات الفقهية المقررة على الدول الإسلامية المجاورة تجاه اللاجئين الفارين من الحروب بناءً على مفهوم "عقد الأمان" و"الإيواء" في الفقه الإسلامي؟ وهل يجوز ردّهم إلى بلادهم إذا كان في ذلك خطر على حياتهم؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد
فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الكريم، من مقاصد الشريعة
الإسلامية حفظ النفس، والقرآن الكريم يقرر
{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيْعَا} وجعلت الشريعة إغاثة
الملهوف وإيواء المستضعفين من أسمى مقاصدها الإنسانية والشرعية. وفي ظل النوازل
المعاصرة والحروب التي تشرد الشعوب، تبرز مسألة واجب الدول الإسلامية المجاورة
تجاه اللاجئين الفارين بدينهم وأرواحهم، وعلاقة ذلك بالأحكام الفقهية المستقرة في
أبواب "عقد الأمان" و"الإيواء الجبري"، ومدى مشروعية ردّهم
إلى مواطن الخطر.
اختصارا: يجب شرعاً على الدول الإسلامية
المجاورة (وجوباً كفائياً يتحول إلى عيني عند تعينه) فتح حدودها لإيواء اللاجئين
الفارين من الحروب، وتأمين عيشهم وكرامتهم بناءً على مفهوم "عقد الأمان"
المستمد من الكتاب والسنة، وحق "الاستجارة" المكفول لكل إنسان يطلب
النجاة.
ويحرم شرعاً ردّ
هؤلاء اللاجئين أو إجبارهم على العودة إلى بلادهم إذا كان في ذلك خطر محقق أو راجح
على حياتهم أو حريتهم أو كرامتهم؛ لأن الرد في هذه الحالة يُعدّ إعانة على الظلم
والقتل، وهو منافٍ لعقد الأمان العام والخاص الشامل لأمن النفس والمال.
أولاً:
مفهوم عقد الأمان والإيواء وواجب الدولة تجاه المستجير
اتفق
الفقهاء قديماً على أن الأمان إذا مُنح للمستأمن (اللاجئ بلغة العصر)؛ حرم التعرض
له، ووجب على دار الإسلام حمايته وتأمين عيشه طالما التزم بعهده، وهذا في حق غير المسلم، فما بالنا بالمسلم، وأحيانا تكون الحكومات مجبرة
أو مختارة للتصرف بخلاف عقد الأمان الشرعي لاعتبارات سياسية، أو شخصية، ولكن قد يسع
الشعوب ما لا يسع الحكومات، فعليهم واجب النصرة، بقدر ما تسعفهم الظروف.
- جاء في "أحكام القرآن" للجصاص
(الحنفي): في تفسير
قوله تعالى {وَإِنْ
أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ
كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} قال: «فيه الدلالة على أن من طلب الأمان
ليدخل دار الإسلام... وجب على الإمام أو من جرى مجراه أن يجيره ويؤمنه، ويسير
به حتى يبلغ المكان الذي يأمن فيه على نفسه وماله.
- وجاء في "المغني" لابن قدامة
(الحنبلي): "وإذا دَفَعَ المسلمُ إلى
مستأمنٍ أماناً، حرم قتله وأسرُه واسترقاقُه، ولم يجز التعرض له في نفسه ولا
ماله... لأن عقد الأمان عهد معصوم، والوفاء به واجب"
- وجاء في "روضة الطالبين" للإمام
النووي (الشافعي): "أن الأمان
يصح من كل مسلم بالغ عاقل، وإذا استجار الخائف ببلاد المسلمين وجب كف الأذى
عنه وإيواؤه، وتوفير ما يحتاجه من سبل الحياة الأساسية ما دام مقيماً في
دارنا".
ثانياً:
حكم الرد القسري للاجئين إلى مواطن الخطر
أكد
الفقهاء قديماً وحديثاً على حرمة تسليم المستأمن أو الخائف إلى عدوه أو رده إلى
مكان يُهلك فيه، واعتبروا ذلك نقضاً لذمة الله ورسوله، وغدراً لا تباح به الذمم.
- جاء في "المدونة" للإمام سحنون
(المالكي): في مسألة من استجار بالمسلمين خوفاً على
نفسه: «ولا يحل تسليمه إلى عدوه، ولا إخراجه إلى موضع يُقتل فيه أو يُظلم؛
لأن المستأمن يحرم تسليمه، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه".
- الأحكام الفقهية المعاصرة:
أصدرت
"المجامع الفقهية" (ك مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون
الإسلامي) قرارات تؤكد أن حقوق اللاجئين في الإسلام ثابتة ومستقرة، وأن "عقد
الأمان الشرعي" يتسع ليشمل القوانين الدولية المعاصرة (كحق اللجوء الإنساني).
وجاء في توصيات الهيئات الفقهية المعاصرة: «يحرم قسراً ردّ اللاجئ إلى بلد يخشى
فيه على حياته أو حريته، ووجب على الدول الإسلامية المجاورة تقاسم الأعباء لتوفير
المأوى الكريم، والطبابة، والتعليم، تفعيلاً للأخوة الإسلامية والمسؤولية
الإنسانية.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
1. قاعدة:
"الضرر لا يُزال بالضرر"
بناءً
على هذه القاعدة، لا يجوز للدول المضيفة أن تدفع ضرراً اقتصادياً أو تنظيمياً
متوقعاً عن نفسها (بسبب كثرة اللاجئين) بإلحاق ضرر أشد وأعظم باللاجئين وهو
إعادتهم إلى الهلاك المحقق؛ فالنفس الإنسانية مقدمة على المصالح المادية.
2. قاعدة:
"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"
بما
أن حفظ أرواح المستضعفين واللاجئين واجباً شرعياً على الأمة، وتوفير المأوى،
والغذاء، والرعاية الطبية لهم هو الوسيلة الوحيدة لحفظ هذه الأرواح؛ فإن توفير هذه
المتطلبات والحدود الدنيا للعيش يصبح واجباً فقهياً لازماً على الدولة المستضيفة.
3. قاعدة:
"المشقة تجلب التيسير"
تُطبق
في حق اللاجئين من خلال التوسعة عليهم في الأحكام التكليفية والمالية، وإتاحة
وثائق التنقل والعمل بأسلوب ميسر؛ لأن لجؤهم واضطرارهم يرفع عنهم قيود الإقامة
العادية ويوجب على الدولة تسيير سبل عيشهم كاستثناء مبني على الضرورة والاضطرار.
والله تعالى أعلى وأعلم