الإستشارة - المستشار : د. ماهر السوسي
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
272 - رقم الاستشارة : 3186
03/11/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. اقترض صديقي مني مبلغًا من المال إلى أجل، وقبل انقضاء هذا الأجل توفي صديقي، وعندما طالبت ورثته بالوفاء بالدين أنكروا عليّ ذلك بحجة أن أباهم لم يترك ما يدل على أنه اقترض مني شيئًا، وعندما جادلتهم في ذلك طلبوا مني إثبات هذا الدين، ولكني لم أكن أملك دليلاً أثبت به هذا الدين، فهل إنكارهم للدين من حقهم وهل طلبهم لإثبات الدين من حقهم أيضًا؟ وكيف يمكنني حفظ حقوقي عند الناس؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
السائل الكريم، حفظه الله، إن الله سبحانه وتعالى قد شرع للناس كيفية حفظ حقوقهم، خصوصًا الحقوق المالية، وبيّن ذلك في كتابه العزيز في أطول آية من آياته، وهي ما يُعرف بآية المداينة كما يسميها العلماء، والله تعالى أثبت في هذه الآية الطرق التي يمكن أن يُحفظ بها الدَّين؛ ذلك لمنع جحد الحقوق من ناحية، ومنع النزاع والمخاصمة على هذه الحقوق من ناحية أخرى، ومن المفترض أن يكون كل إنسانٍ مسلمٍ على علمٍ بهذه الطرق حتى يمكنه أن يحفظ حقوقه، ويطالب بها.
وللإجابة على الأسئلة التي وردت في فتواك فإننا نبين لكم التالي:
البينة على المدعي
ليس شرطًا أن يستجيب ورثة صاحبك الذي اقترضت منك لطلبك الوفاء بدين أبيهم، وخصوصًا إذا لم يكونوا على صلةٍ بك وعلى درايةٍ بأمانتك، ذلك أن الشرع الحنيف قد أعطى المدعى عليه حق طلب الدليل على الدعوى، وجاء ذلك في حديث النبي ﷺ: "لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى رجالٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم، ولكن البينة على المدعي"، فهذا الحديث الشريف يبين أن لورثة صديقك الحق في مطالبتك بالدليل، وأن لهم الحق أيضًا أن ينكروا الدَّين إذا كانوا لا يعرفونك أو لم يكن لديهم ما يدل على حقك عند أبيهم.
ضرورة تحري الأمر
لكن هذا لا يدل على أن الشرع الحنيف يشجع على جحود حقوق الناس؛ بل إنه يوجب على ورثة المتوفى ضرورة تحري الأمر والتثبت مما يدعيه صاحب الدين حتى وإن لم يكن معه دليل على صحة ما يقول فقد يكون صادقًا فيبقى الدينُ معلقًا في ذمة المتوفى إلى يوم القيامة؛ لذا يعمل على حفظ حقوق المدعي والمدعى عليه في آنٍ واحد، عن طريق التشريعات التي سنذكرها الآن، وبهذا أكون قد أجبت عن السؤالين الأولين اللذين تفضلت بهما.
كيف يمكنك حفظ حقوقك؟
وأما بالنسبة لسؤالك الثالث وهو كيف يمكنك حفظ حقوقك– وهو سؤالٌ مهم- فإن هذا الأمر يمكن ترتيبه على النحو التالي:
أولاً: كتابة الدين:
من أهم التشريعات التي وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى، والتي يمكن أن تعمل على حفظ حقوق االناس، واستقرار المعاملات بينهم، هي كتابة الدين، الواردة في قوله سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ.. الآية} (البقرة: ٢٨٢)، حيث إن هذه الآية قد رتبت عملية كتابة الدين ترتيبًا دقيقًا يمكن بواسطته المحافظة على حق الدائن والمدين معًا، وذلك على النحو التالي:
1. أن يكون كاتب الدين هو المدين: ذلك لأن الآية السابقة قد خاطبته مباشرة وذلك بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم...} ولم يقل إذا داينتم؛ وقد توجه الخطاب إلى المدين منعًا للحرج الذي قد يقع على صاحب الدين (الدائن)؛ لأن المدين قد يكون ذا صلة وثيقة به فيتحرج أن يسأله كتابة ما استدان منه.
2. أن يكون الكاتب عدلاً: سواء كان الكاتب أحد طرفي الدين أو شخصًا آخر؛ ذلك لضمان عدم تزوير الكاتب لما يكتب؛ فيقع الظلم على واحد من طرفي الدين؛ ولكي يتحقق الغرض من كتابة الدين؛ لقوله تعالى: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْل...}، هذا ويجوز أن تكون الكتابة عند محام أو كاتب عدل معين من جهة الدولة.
3. الإشهاد على الكتابة: إذا كانت كتابة الدين سنة وليست فرضًا فإن الإشهاد عليها سنة أيضًا؛ والحكمة من الإشهاد هي زيادة التوثيق؛ فيكون الدين موثقًا بالكتابة والإشهاد؛ لقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ...}.
4. كتابة قدر الدين: حتى لا يتنازع الدائن والمدين على مقدار الدين بسبب الدين أو الجحود فلا بد من كتابة مقدار الدين؛ ذلك لأن عدم كتابة مقداره يتعارض مع الغرض الذي من أجله شُرعت كتابة الدين.
5. كتابة موعد الوفاء بالدين: قد يتفق الدائن والمدين على موعد الوفاء بالدين؛ وهذا هو الأصل؛ وهو أيضًا ما تتحقق به الحكمة من كتابة الدين؛ وقد لا يتفقان على موعد الوفاء بالدين؛ وهذا ما نراه غير مستحب في وقتنا هذا الذي رق فيه دين الناس وتراجعت أخلاقهم؛ وقد دل على ضرورة كتابة أجل الدين قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ...}.
ثانيًا: الرهن:
إذا تعذرت كتابة الدين بسبب عدم وجود من يكتب، أو بسبب عدم وجود الشهود، أو لأي سبب آخر، استحب المشرع للمدين أن يرهن شيئًا مما يملك عند صاحب الدين، فإذا وفاه دينه استرد ما رهنه عنده، فإذا جحد المدين الدين، أو ماطل فيه، أو عجز عن الوفاء قام صاحب الدين ببيع الشيء المرهون عنده واستيفاء حقه منه، وإذا زاد ثمن الشيء المرهون عن حق صاحب الدين رد الزيادة إلى المدين.
والدليل على الرهن عند امتناع الكتابة قوله تعالى في الآية التي تلي آية الدين {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ ...} (البقرة: 283).
هكذا شرع الله تعالى لنا كيفية المحافظة على حقوقنا، وبذلك كفل الشرع عدم الاعتداء على الحقوق وجحدها من ناحية، وعدم تنازع الناس وتخاصمهم من ناحية أخرى، وقيام التعاون بينهم من ناحية ثالثة.
روابط ذات صلة: