الوقف للذكور دون الإناث ... بين شرط الواقف وقصد الشارع

Consultation Image

الإستشارة 13/04/2026

أوقف جدي الأكبر قطعة أرض لتكون (وقفاً ذرياً) يحبس ريعها على ذكور العائلة فقط دون الإناث. الآن، بعض الحفيدات يمررن بظروف مادية صعبة ويطالبن بحقهن في ريع الأرض بناءً على مبدأ المساواة في الإسلام وعدم جواز حرمان الوارث. هل يجوز شرعاً تغيير شروط الواقف (الجد) إذا كانت تخالف أصول الميراث الحالية؟

الإجابة 13/04/2026

الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فمسألة "الوقف على الذكور دون الإناث" من المسائل الفقهية الشائكة التي تتقاطع فيها إرادة الواقف مع مبادئ العدالة الإسلامية.

 

ملخص الفتوى: الأصل في الوقف هو وجوب اتباع "شرط الواقف" ما لم يصادم نصًّا شرعيًّا. ومع ذلك، ذهب كثير من المحققين والفقهاء قديمًا وحديثًا إلى أن تخصيص الذكور بالحرمان التام للإناث في الوقف الذري هو "وقف جائر" يشتمل على كراهة شديدة أو تحريم عند بعضهم؛ لأنه يشبه فعل الجاهلية في حرمان النساء. وبناءً عليه، يجوز لولي الأمر (أو القضاء الشرعي) التدخل لتعديل شرط الواقف إذا أدى إلى ضرر بيّن أو كان القصد منه حرمان الوارثات، خاصة عند تغير الظروف المادية والحاجة الماسة للحفيدات.

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

تستند هذه المسألة إلى عدة قواعد فقهية كبرى:

 

1. "شرط الواقف كنص الشارع": وهي القاعدة الأساسية التي تجعل شروط الواقف ملزمة قانونًا وشرعًا في إدارة الوقف.

 

2. "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق": تُستخدم هذه القاعدة إذا اعتبرنا أن حرمان الإناث قصدًا هو نوع من الجور والظلم المحرم.

 

3. "تغير الأحكام بتغير الأزمان": تتيح للمفتي أو القاضي النظر في المصلحة المرسلة، فإذا كان حال الإناث قديمًا يختلف عن حالهن الآن من حيث الحاجة والنفقة، جاز النظر في تعديل المصرف.

 

4. "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا": ويُستأنس بها في أن مقصود الواقف غالبًا هو نفع ذريته، والحفيدات من ذريته يقينًا.

 

آراء العلماء القدامى:

 

انقسمت المدارس الفقهية في هذه المسألة إلى اتجاهين:

 

* الاتجاه الأول (الجمهور - الحنفية، الشافعية، والحنابلة): يرون أن الوقف صحيح والشرط نافذ؛ لأن الوقف تبرع وليس ميراثًا، وللإنسان أن يتصرف في ماله حال حياته كيفما شاء، محتجين بقاعدة "شرط الواقف كنص الشارع".

 

* الاتجاه الثاني (المالكية وبعض الحنابلة كابن تيمية وابن القيم): شددوا في هذه المسألة، فاعتبر المالكية أن الوقف الذي يقصد به حرمان الوارث أو تفضيل بعض الأبناء على بعض هو "وقف جائر".

 

* يرى ابن تيمية أن الواقف إذا قصد بحرمان الإناث مخالفة عدل الله في الميراث أو قصد الإضرار بهن، فإن الوقف يبطل أو يُرد إلى العدل؛ لأن الوقف قُربة، ولا قُربة في الظلم.

 

آراء العلماء المعاصرين:

 

مال الكثير من الفقهاء المعاصرين ودور الإفتاء (مثل دار الإفتاء المصرية، والأردنية، والمجامع الفقهية) إلى التضييق في نفاذ هذا الشرط:

 

1. قوانين الأوقاف الحديثة: في كثير من الدول الإسلامية، صدرت تشريعات قانونية تقضي ببطلان الشروط التي تحرم الإناث في الوقف الذري، وتوجب إشراكهن إعمالاً لمبدأ "المساواة في العطية" بين الأولاد.

 

2. التكييف المعاصر: يرى المعاصرون أن الوقف على الذكور دون الإناث هو إحياء لسنّة جاهلية، وأن الضرورة المعيشية للحفيدات اليوم تجعل من الواجب شرعًا نقض هذا الشرط الظالم؛ لأن "المصلحة العامة" و"العدل" مقدمان على حرفية نص الواقف إذا أدى للجور.

 

3. الفرق بين الميراث والوقف: يؤكد العلماء أن الوقف ليس ميراثًا (فالميراث بعد الموت قسري)، لكن الوقف صلة وبر، ولا بر في قطيعة رحم الحفيدات.

 

وصايا عملية:

 

إذا كنتِ أنتِ أو الحفيدات تطالبن بهذا الحق، فإليك الخطوات المتبعة:

 

1. اللجوء للقضاء: في المسائل الوقفية، القاضي هو "ناظر الأوقاف الأعلى"، وهو الوحيد الذي يملك سلطة نقض أو تعديل شرط الواقف إذا ثبت لديه الجور أو الحاجة الماسة.

 

2. الصلح العائلي: يُفضل دعوة ذكور العائلة (المستفيدين الحاليين) إلى جلسة ودية لتذكيرهم بأن الصدقة على القريب المحتاج (الحفيدات) أوجب وأعظم أجرًا، وأن رضاءهم بإشراك أخواتهم وبنات عمهم هو إبراء لذمة جدهم الأكبر.

 

3. إثبات الحاجة: تقديم ما يثبت الظروف المادية الصعبة للحفيدات أمام الجهات المختصة؛ حيث إن "الحاجة" هي أحد المسوغات الشرعية لتغيير مصارف الوقف عند كثير من الفقهاء.

 

4. مبدأ "الذرية": يمكن الاحتجاج لغويًّا وفقهيًّا بأن لفظ "الذرية" في كثير من الأوقاف يشمل الذكور والإناث لغةً، ما لم ينص الواقف صراحة بلفظ "دون الإناث" أو "للذكور فقط"، وهنا يمكن تأويل النص لمصلحة الجميع.

 

خلاصة القول: من الناحية القضائية المعاصرة في معظم الدول العربية والإسلامية، هناك توجه قوي لإلغاء هذه الشروط الجائرة وإعطاء الإناث حقهن من الريع تماشيًا مع مقاصد الشريعة في العدل والرحمة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

الوقف الإسلامي من منظور القيم

4 مسائل في الوقف الإسلامي

هل عرفت الحضارة الإسلامية الوقف على الكتب؟

الرابط المختصر :